أمواج الأندلس أمواج عربية
أهلا ومرحبا بك زائرنا الكريم، إذا كانت هذه زيارتك الأولى للمنتدى، يشرفنا أن تقوم بالتسجيل اذا رغبت بالمشاركة في المنتدى، أما إذا رغبت بقراءة المواضيع فتفضل بزيارة القسم الذي ترغب أدناه
عزيزى الزائر يسعدنا ان تنضم الينا وتلحق بنا
كى تفيد وتستفيد بادر بالتسجيل مع اطيب الامنيات ادارة المنتدا
ورجاء التسجيل باسماء لها دلالية الاحترام



وطن واحد هدف واحد قلب واحد قلم واحد تلك هى حقيقة أمواج الاندلس
 
أمواج الأندلسأمواج الأندلس  الرئيسيةالرئيسية  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  مدونة أمواج صغيرةمدونة أمواج صغيرة  أضغط وادخل وابحثأضغط وادخل وابحث  

شاطر | 
 

 المقدمة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
وفاءعبده
موجة شرفيه
موجة شرفيه
avatar

عدد المساهمات : 492
تاريخ التسجيل : 04/05/2010

مُساهمةموضوع: المقدمة   السبت أكتوبر 02, 2010 1:16 pm

المقدمة


الحمد لله الذي هدانا بمناهج الاحكام، ودلنا بضوء مدارك الأعلام إلى معالم اصول الحلال والحرام

ونستعين بكلمته التي أنشأ بها نشأتي الآخرة والأولى، وطرد شياطين الأوهام بأنوار البراهين، وقمع

أعداء الدين إلى مهوى المبعدين، ونصلي على محمد المبعوث بكتاب الله ونوره المنزل معه على كافة

الأنام، وآله المطهرين عن ظلمات الأوهام بأنوار الحق واليقين.




وبعد، فان من أجل العلوم منزلة بعد المعارف الحقيقية علم أصول الفقه، اذ به يُهْتَدى إلى معالم

الأحكام، وقوانين الحلال والحرام، وكان من جملة ماصنف كتاب المستطاب المسمى، بحق المبين في

تصويب المجتهدين وتخطئة الإخباريين، من مصنفات امام المجتهدين، وخاتم الفقهاء الراشدين، وفقيه

المسلمين، وآيه الله في الأرضيين، الشيخ جعفر النجفي كاشف الغطاء طاب ثراه، فكم أودع فيها من

دقائق تحقيقاته، ونتائج أفكاره الذي لم يصل اليه أيدي أكثر العلماء، وترفَع فيها ماخفي على المتقدمين،

ولعمري كم أودع فيها من التحقيقات والفروعات المتعلقة بالمسألة من البيانات الطالعة، والأنوار

الساطعة على ما لا يخفى من نظير فيها وطالع، فعليكم بمطالعة هذا الكتاب حتى ينوِّر القلوب والعيون،

فاعرفوا قدره، ولا ترخصوا مهره والله ولي التوفيق.

بســـــم الله الرحمن الرحيم
الحق المبين
وبه ثقتي




الحمد لله الذي خلق الإنسان وعلمه البيان، وصلى الله على محمد وآله سادات الزمان، ماطلعت

الكواكب، وظهر في السماء نجم ثاقب. وبعد: فانه قامت الحرب على ساق واحد، وكثر الجدال والقيل

والقال، حتى ملأ جميع الأقطار والافاق بين فريقين من الأمامية والطائفة المحقة السالكة مسلك

الشريعة المحمدية، وبسبب ذلك انقسموا إلى قسمين مجتهدين وأخباريين، وبعد النظر في البين يظهر

الرجوع لكل منهما إلى أحد الثقلين، فان المجتهدين ان لم يرجعوا إلى الأخبار ولم يعولوا على ما روي

عن النبي صلى الله عليه وآله والأئمةالأطهار، مرقوا عن الدين، ولم يوافقوا شريعة سيد المرسلين،

والإخبارية ان لم يجتهدوا في المقدمات التي يتوقف عليها فهم الأخبار والروايات، خرجوا عن طريقة

الأمامية، ولم يسلكوا مسلك الفرقة المحقة الجعفرية، فمرجع الطرفين إلى ما رُوي عن سادات الثقلين.

فالمجتهد أخباري عند التحقيق، والإخباري مجتهد بعد النظر الدقيق، ففضلاء الطرفين بلطف الله ناجون

الواصلون إلى الحق منهم والقاصرون والجهال المقصِّرون والطاعنون على المجتهدين المشيدين لأركان

الدين هالكون، فلا يرد علينا تشنيع بعض المخالفين من المسلمين بان الخلاف كما وقع بين الفقهاء

الأربعة وقع بين المجتهدين والإخباريين، اذ لانزاع بيننا في أصول الدين، ولا مانع عندنا من الرجوع إلى

الطرفين في معرفة حكم رب العالمين، وانما جعل لكل اسم على حدة لحصول الخلاف بينهم في مسائل

متعددة، وان كان الحق فيها مع المجتهدين اذ الإخباريون فيها مخطئون لكنهم غير مقصرين، وان كان

انكارهم لكثير منها يشبه انكار ضروري من العقل والدين، لانهم لم يقصروا في النظر، وسبقتهم الشبهة

فكانوا ممن قصر لامن قَصَّر، على انه ليس من مَذهَبِنا الاقتصار على علماء معينين لايجوز التجاوز عنهم،

ولو إلى الافضل منهم ونحن نشير اليها على التفصيل، ونبين حقيقة مذهب المجتهدين باوضح دليل، ثم

نبين ما استند اليه كل من الفريقين، ونوضح القوي والضعيف من الجانبين، ونقتصر على ذكر شطر صالح

منها مع اقامة البرهان، لانها عجالة سفر برزت إلى الوجود بلطف الله الملك المنان في دار السلطنة

والايمان والعلم والعبادة أصفهان. حماها الله من نوائب الزمان مادارت الافلاك بكواكبها، واختلف المَلَوان،

وقد كنت عزمت فيما مضى من عمري، وتقضى من ايام دهري اّلا اجول في هذا الميدان، ولا اتعرض

للدخول بين الفضلاء والأعيان، حذرا من النفس الامارة، وابليس، ولان ابن اللَبّون لايستطيع صولة البزل

القناعيس، لكن دعاني اليه وأوجب علي القدوم عليه، التماس ولدي الطاهر المطهر علي بن جعفر

"أطال الله بقاه"، وجعلني فداه مع كثرة مارأيت من طعن بعض الجهلاء على ورثة علوم خاتم الأنبياء،

والأئمة الأمناء، حتى كادوا ان يشبّهو على العوام ويلبسوا الحال على غير اولى الأفهام، وينحصر البحث

في ذكر تلك المسائل مع الاشارة إلى بعض الشواهد والدلائل، وهي كثيرة لاتحصى في مثل هذه

الرسالة الموجزة لاينبغي ان تذكر بتمامها وتسطر فلنقتصر على ذكر المهم منها، وفيه مطالب.


المطلب الأول: في العقل




اعلم انه لاريب في ان للمؤثرات فيما يترتب عليها من الآثار والصفات من الذوات والصفات خصوصيات،

وليس ذلك الترتيب من الامور الاتفاقيات في شرعيات أو عاديات أو عرفيات، فترتب التسخين والتبريد

والقتل والتعذيب والعلم والادراك مثلا، على النار والثلج والضرب والعقل، بدون واسطة أو بتوسط الحواس

الظاهرة أو الباطنة، انما هو لخصوصيات فيها فان البديهة تحكم باقتضائها لذاتها لا لمجرد الجعل الإلهي

وقضاء العادة، خلافا لبعض الأشاعرة، وكذا موافقة الطبع ومنافرته للمبصرات والمسموعات والمشمومات

والمذوقات والملموسات مما يتعلق بالحواس الظاهرة، وما حل في الفكر أو الخيال ونحوهما، مما يتعلق

بالحواس الباطنة، انما هي لأسباب ومقتضيات، وكذا موافقة العقل مع عدم الواسطة، فالعقل جُعِل

سلطانا على النفس، يأمرها بما يصلحها، وينهاها عما يفسدها فهي منقادة له إلاّ إذا قويت عليه

لنفسها، أو بمعونة الشيطان، وكذا النفس جعل لها سلطان على الاَّعضاء، لا يصدر عنها شيء خيراً أو

شراً إلا عن أمرها، فالعقل إذا أدرك شيئا بواسطة أو بدونها من فساد الدنيا أو صلاحها في فعل أو ترك

حكم على صاحبه به وجوبا أو تحريما أو ندبا أو كراهة أو تخييراً، و عَلِم استحقاق المدح والذم والعقاب في

مقاماتها، وقضى على غيره لو كان مقدورا له بذلك، وفرض أو ندب على كل مطاع من سيد، أو غيره منع

مطيعه من إرتكاب مايفسده، واوجب عليه المؤاخذة أو ندب اليها على حسب اختلاف المقام، واستحق

المطيع المدح، والعاصي الذم منه ومن سائر العقلاء، فالعقل متكفل بتدبير النفس يبين لها ما يصلحها

في امر دنياها وما يفسدها فيه من معاش ومسكن وفراش وغيرها بحسب ما يعلمه من الاسباب

المقتضية للصلاح أو الفساد، فمتى ظهر له سبب يقتضي احد الامرين عمل على ما علمه، وإلاّ رجع إلى

من هو أعقل منه، وأعرف في الجهة التي حاولها فيرجع إلى عقول ارباب الصنائع في الصناعة والاطباء

في الطبابة وفي معرفة الضار والنافع إلى عقول العارفين، وأما ما استقل بمعرفته من مقتضيات حرّ وبرد

وجوع وعطش ومنجي ومهلك وموافق ومخالف، فلا حاجة فيه إلى المرشد وقد قضي اللطف بإيداع معرفة

كيفية المعاش في جميع الحيوانات ناطقها وصامتها، سوى ماقضت الحكمة بجعله جائزاً كالفراش، وأودع

الخوف من كل من له سلطان في قلب الناطق والصامت من الحيوان، فلم تزل الورد يخاف من مُؤذَياتها

من مجانساتها وغيرها من الإنسان، وغيره من السباع والحيات والعقارب ونحوها، وعلمها اسباب النجاة

من هرب ونحوه، وكذا المولّى عليه من عبد وخادم ورعية ونحوهم، فانهم لما أدخلهم تحت سلطان من

له الولاية عليهم أودع في قلوبهم معرفة مافيه سبب النجاة والهلاك من الطاعة والانقياد والمعصية والعناد

المبنية على الموافقة والمخالفة للمراد، مما يترتب عليه الصلاح أو الفساد للموالي أو العبيد، ومتى

حصل الوفاق أو الخلاف منهم علموا بانهم مستحقّوا المدح أو الذم والثواب أو العقاب من مواليهم أو

غيرهم، غير إن الداعي للموالي مثلا ذو وجهين، ما يتعلق بصلاح انفسهم، وما يتعلق بصلاح العبيد،

وفي حق الواجب ذو وجه واحد وهو صلاح العباد، وأما من جهة أوامر الشرع ونواهيه مما يتعلق بالآخرة،

فالحكم فيها أبْيَن وأظهر لأنه لا ينزّه أحد من الإغماض عن صلاح عبيده وفسادهم كتنزيه الله ولا يحكم

بارادة صلاحهم على أحد، كالحكم على الله، فكيف يحكم العقل والعقلاء بديهة بأن عقلاء الموالي يقبح

عليهم ان لا يحرّموا على الموالي ظلم العباد والإفساد في البلاد والخيانة والسرقة والكذب الضار وفعل

الفاحشة وقتل النفس من غير سبب، وهتك حرمة المحرمات إلى غير ذلك ولايحكمون بمثل ذلك على

الله، ولذلك ذهب المجتهدون من اصحابنا (رضي الله عنهم ) إلى إن العقل حجّة في الأصول والفروع،

للعلم بأن أحكام الشرع إنما هي عن أسباب ومقتضيات كما يستفاد من صريح الآيات والروايات، وإمكان

إدراك بعض تلك الأسباب غير خفي على أولي الألباب، فمتى اهتدى العقل إليها أحب أو كره وجودها، ثم

الأيجاد ثم أراد ثم مدح أو ذمّ، ثم حكم على من حلّ فيه وعلى غيره وعاقبهما، لو كان العقاب مقدوراً له

ويقع منه عفو، وحيث علم إن الله مع حكمته، قد علم بما علم قضى بأنه كان منه ماكان منه، من حيث

الوجود، ثم الإيجاد ثم الإرادة، ثم الطلب وعكسها مع ترتب استحقاق المدح والذم والثواب والعقاب من

وجهين، مع زيادة إمكان المؤاخذة، ووقوعها فعلا مع عدم العفو، فما أدركه بنفسه غني فيه عن الدليل،

وما خفى عليه يحتاج فيه إلى مرشد ودليل، فحكم العقل بالحسن والقبح شرعاً وعرفا وعادة من

الضروريات ومما قضى به نص الكتاب والروايات في مواضع كثيرة غير محصورة وربما كان استقلاله في

بعض الفروع أظهر من الأصول، ولو لم يستقل في كلا الأمرين لم يصلح الاستدلال به في خصوص احد

الجانبين، والظاهر إنه محلّ اتفاق بين العقلاء من الكفار والمسلمين من المؤمنين وغيرهم، إنما أنكره

الأشاعرة في الأصول والفروع في أمور الدنيا والدين، أما لإنكار الأسباب والمقتضيات مُطلقاً، كما يظهر من

بعضهم، أو في خصوص الأحكام، وأما لإدراك العقل إياها وأما لعدم الاعتماد عليه لوقوع الغلط منه، وأما

لأن الشرع لايتبعه مستندين إلى ما دلّ من الكتاب والسنّة على إنه لاتعذيب قبل البعثة.




وفيه أنه لا يُفهم من ذلك إلاّ إرادة ما قبل الإعلام، كما يظهر من معنى العبارة إذا قالها السيد لعبده وأنه

يمكن إرادة العفو منها، أو يراد فيما بعث فيه وإرادة العقل بالرسول بعيدة وإلى وقوع التكليف بالمحال في

أمر أبى لهب وغيره بالإيمان مع نص الكتاب والنبي(ص) على عدم وقوعه فيكونون مأمورين بالتصديق

والتكذيب معاً ولأنه لا يمكن كذب النص فيلزم التكليف بالمحال وفي قضاء الكفار فيما فيه قضاء المشروطة

صحته بالإسلام القاضي بحرمة الإتيان به والعقل حاكم بعدم جوازه، وفيه انه ممنوع ووجهه ظاهر،

وبالاجبار في أفعال العباد، أو أن الفاعل هو الله وهما مردودان بما لايخفى. واحتج لهم بأنّا نرى حكم

العقل يختلف بالنسبة إلى الفاعلين والمفعولين والأمكنة والأزمنة والهيئات والأوضاع، ولو كان حاكما لما

اختلف حكمه، ولم يكن الحُسْن والقبْح تابعين للشرع في إذنه وأمره ونهيه، فلم يحسن قتل المؤمن من



ملك الموت لموافقة الأمر ويقبح من غيره لعدمها، ولا قتل الورد في التذكية دون غيرها للإذن، ولا قتل



العالَم بالغضب على واحد منهم وإيقاع الطاعون والإحراق بالصواعق من الله وقبح من غيره، ولا حسن

حصول شيء من الملاك وقبح من غيرهم.




وفيه أن المدار على مراعات الجهات والاعتبارات وأورد عليهم لزوم إفحام الأنبياء والاعتذار بالفطرة أو

الإجبار وبالمعارضة بمثله لاوجه لها، والكلام معهم طويل ليس هذا مقامه.




وأما أصحابنا الإخباريون فحيث قصروا الحجّة في غير الضرورتين على الألفاظ الواقعة في الكتاب والسنّة

النبوية مفسرين بالأخبار ولم يعولوا على جميع ما أفاد المراد مع انه لا يخفى على عاقل إن الألفاظ انما

تُلحَظ لكشف المراد لا لنفسها بديهة في جميع خطابات العقلاء، لان مدار صفة الطاعة والمعصية

والانقياد والامتثال والتسليم والائتمار والانتهاء والعبودية ونحوها على المراد اختلفت كلمتهم فظهر من

بعضهم إنكار الأسباب ومن بعض إنكار إدراك العقل، ومن بعض إنكار التعويل على إدراكه لكثرة كذبه فاشبه

قولهم بذلك قول العنادية، ومن بعضهم تسليم إدراكه وصوابه، وإنكار الملازمة بينه وبين الشرع ولو أنهم

نظروا في تكاليف السادة لعبيدهم وكل مطيع لِمُطاعهِ لعلموا إن المدار في جميع المحال والاقطار وفي

جميع اللغات وسائر العبارات على المراد دون الأفاظ، ولا يشك عاقل في ان السيد إذا إمر عبده بان

لايوقظه من الحق نومه فجاءه سبع أو أفعى أو نحوهما أو إمره بالإتيان بماء من الكوز فوجد فيه ماء متعفنا

ووجد حوله ماء عذباً خالياً عن الموانع، أو قال: اقتل هذا ولم يعلم أنه ولده بل زعم أنه عدوه، فأبقاه على

نومه حتى قضي عليه وجاءه بماء الكوز وقتل ولده، فلما لِيْمَ على ذلك اعتذر بان هذا مقتضى حديثه

ونصّه ولست أخالف قوله إلاّ بحديث مثله عد عاصياً أو مجنوناً مسلوب الرأي، ولم يقبل عذره عند العقلاء،

وإنما اقتصرنا على هذا القليل من الكلمات، لأن الغرض إنما هو الرد على الزاعمين أنهم غير مأمورين إلاّ

بالعمل بالروايات، وما قيل من إن البحث فيه قليل الثمرة لأن جميع ما يستقِلُّ به العقل داخل في

الضروريات وفي ذلك غنْيَة عن الاستدلال به مردود بما سيجيء في تحقيق أسباب الاحتياج إلى

المسائل الاصولية.
المطلب الثاني: دليل العقل










ما يسمى دليل العقل باصطلاحهم، وهو أقسام والمهم هنا التعرض لأربعة أقسام، إذ هي عمدة موضوع

النزاع بين الفريقين: أحدها أصل الإباحة، بمعنى مطلق الجواز. ثم قد يراد به إباحة الاستعمال في

المستعملات من خصوص المأكولات والمشروبات أو مطلق المستعملات فيعمها مع الملبوسات

والمفروشات، وما يتعلق بها أو مطلق الأعمال والانتفاعات. ثم قد يراد به خصوص مسلوب الرجحان من

الطرفين مع التعميم في المتعلق أو التخصيص ويساوي على التعميم أصل البراءة بالمعنى الاعم، وعلى

الأول يقدم الواجب على الحرام عند التعارض ولتقديم المستحب على المكروه وجه وعليه بالمعنى الآخر

تعميماً وتخصيصاً عوّل المجتهدون وبنوا عليه الأحكام الشرعية والمطالب الفقهية فيما عدا ما علم من

الشرع أصالة حرمته، كمملوك الغير والوقف الخاص في غير الأراضي والمياه المتسعة وما يتعلق بهما من

سموك ونباتات وحصى، وما يخرج من الارض من كمأة ونحوها في وجه وعدا ما فيه تعدّ على إنسان أو

حيوان معتبر دون غيره من المتناهي في الصغر وعدا مايتعلق بالوطئ في إنسان وغيره وما يتبعه في

نوع الإنسان ولحوم الطيور، والمشكوك في وقوع تذكيته وما تعلق بالعبادات، ويجرى في المشتركات من

الاوقاف العامة وغيرها، مالم تناف جهة الانتفاع المعدّة له. والاستصحاب فيها مردود بتبدل الموضوع، ونقل

الصدوق (رضي الله عنه ) إجماع الإمامية، وقضت به السيرة المستمرة من زمن الانبياء السابقين إلى

زماننا. وسيبقى ذلك إلى يوم الدين. ولم تزل ائمتنا (عليه السلام) وأصحابهم ونوّابهم من العلماء

يطلبون الدليل من المحرم، وقد استقرت عليه آراء الناس قديما وحديثا وغرس في اذهانهم، فلا يتوقفون

في ضروب النباتات وأنواع الأفعال والأوضاع والحركات والسكنات، لأن البناء على هذا الأصل كالضروري فيما

بينهم ويؤيد ذلك عدم تعرض العلماء لذكر المباحات في غير ما أصله التحريم، وبذلك ثبت معذورية

جهّالهم، كيف لا وجميع مايستبيحونه من غير نص لا يمكنهم الاستناد فيه إلى غير الضرورتين من سيرة

أو اجماع، لعدم حجيتهما عندهم، ولعدم ثبوتهما في اكثر الجزئيات، ولا إلى الضرورتين للوجه الأخير مع

إن الضرورة إن تعلقت بجميع الأفراد لزم ألاّ يجوز العدول للعثور على دليل، ولم يقل به احد وإلا كان من

العمل بالظن، لأوله إلى العلم وهذا غير مقبول عندهم. وقد استمر عمل الإخباريين على ذلك، ويؤيد ذلك

إن نسبة الحرام إلى الحلال في غير الإعيان، وفيها فيما عدا الحيوان كنسبة المحصور إلى غير المحصور،

فهذا القسم كغيره من كثير من الاقسام الآتية مما اختلف فيه علمهم وعملهم، ويفيده من الأخبار ما دلّ

على حجب القلم عما لا يعلم. وإن ما حجب الله علمه موضوع، وإن كل شيء مطلق وحلال، حتى تعلم

حرمته إلى غير ذلك. وفيما دلّ من الكتاب والسنّة على ان مخلوقية مافي الارض لانتفاعنا وتفسير

الاعتبار لاينافي، لأن البطون لا تنافى الظهور وفي استدلال الإمام علي(عليه السلام) على عاصم بن

زياد لما حرَّم على نفسه الطيبات بقوله تعالى [والأرض وضعها للانام] أبين شاهد عليه. فما ذهب

اليه الإخباريون من أصالة الحرمة واقعاً أو ظاهراً، أو التوقف لأخبار وردت في مقام التعارض أو مطلقاً معوّل

عليها عند الجميع لوجوب الرجوع إلى الامام (عليه السلام) أو نوابه مع قيام الشبهة وحصول الشك، وإلاّ

انسد باب الرجوع إلى الأئمة(عليهم السلام) غالباً. ثم أنهم (رضي الله عنهم ) موافقون للمجتهدين

غالباً بالحكم، مخالفون بالاسم ولا تراهم يرجعون إلى أصلهم، إلاّ فيما وقع فيه البحث كدخان التنباك

مثلاً دون باقي الدخاخين، وإن ساوقه في المدرك المقرر عندهم. ثانيها أصل البراءة، وقد يدخل في

أصل العدم باعتبار نفي الرجحان، وإن كانت الإباحة حكماً، فتكون للحجية مدركاً، وفي أصل الإباحة على

بعض الوجوه وهو بالنسبة إلى حكمي الوجوب والندب مما قامت عليه البديهة، وجرت عليه سيرة الانبياء

السابقين وأوصيائهم إلى عصر خاتم النبيين، ثم الأئمة الطاهرين، ثم العلماء المرضيين، فإنْ كلّ من

ادعى أحد الحكمين طولب بالدليل، ولم يطالَب النافي بل يحكم بأن الحق معه حتى يقوم دليل الخلاف،

ولم تزل الأدلة تقام على ثبوتهما دون نفيهما من ائمتنا(عليهم السلام) وجميع علمائنا. ولذلك دوَّنَهما

العلماء في كتبهم دون ضدهما من الإباحة وللزوم تكليف مالا يطاق على القول بعدمه، ولدلالة الاخبار

المتواترة المعنى على رفع القلم عمّن لا يعلم وإن المحجوب علمه موضوع حكمه وعليه المجتهدون.

ونسب إلى الإخباريين أمينهم "أي الشيخ الاستربادي" انكار ذلك وأما حكم الحظر والكراهة فتجري فيه

عند فقهائنا المجتهدين، ولا ينبغي الشك فيه لمثل ماذكرناه في هذا المقام، وفي بحث أصل الإباحة،

لكن لارجوع للمجتهد بعد حصول الشبهة من تعارض الأخبار أو من غيره إلاّ بعد بذل الوسع في طلب

ماينفيه من الأدلة، ولا للعامي إلاّ فيما جرى على وفق العادة، واستمرت عليه أو مع العجز عن الوصول

إلى الفقيه، وهذا الأصل في القسمين الاوليين جارٍ في حكم كل آمر ومأمور ومُطِيع ومُطَاع، وكذا بالنسبة

إلى الآخيرين، وأما الإخباريون فقد نفوا ذلك وهم محجوجون بما أوردناه من الشواهد وما ذكروا من إن

ذلك مردود بما روي بعبارات مختلفة تشبه أن تكون متواترة المعنى ( من إن لله تعالى في كل واقعة

حكماً) مردود، بان المراد بهذا الأصل كأصل الطهارة، وصحة دعوى المسلم وعقده وفعله إثبات الحكم

الظاهري التكليفي وهو غير ملازم للواقعي. فالمراد إذاً أن الحكم بعدم التكليف مقدم على الحكم به،

وهذه المسألة أيضاً مما خالف فيها عملهم. فإنه لا يسع متشرع ترك العمل بذلك للزوم فساد النظام.
وثالثها أصل العدم، وربما دخل فيه أصل البراءة وأصل الإباحة من أحد الوجهين، وهو حجّة عند

المجتهدين، لأنه من الأصول التي عوَّل عليها العقلاء، وجرت عليه سيرة الأنبياء والأوصياء إلى زمان خاتم

الأنبياء والأئمة الأُمناء، ونوّابهم من العلماء، فإن الشاهد إنما يطالب على الأثبات، فإن لم يكن كان البناء

على العدم، وعلى مثل ذلك بنى جميع العوام من الكفار وأهل الإسلام، ويدل عليه مع ذلك إن لا نسبة

للموجود على المعدوم، وهو في حقه بمنزلة المعدوم وحجيته لذاته لا لجريان حكم الاستصحاب فيه، وإن

كانا قَلَّ مايفترقان، ولذلك يجري في المجردات عند من يدعي قدمها، وفي اختلاف الأحوال يطرئان الوجود

والعدم وتكررهما على المحل الواحد، وأمّا الإخباريون فقد دخل فيما أنكروه من وجود حجة بعد الضرورتين،

سوى الكتاب المفسر بالأخبار، وان كان جميع ما ادعاه المجتهدون، مأخَذه من الروايات، وهذا أيضاً مما

اختلف فيه علمهم وعملهم، وشرط حجيته ألاّ يطرأ طارئ الوجود فيعارضه ذمه الاستصحاب، وهو أقوى

منه. وأصل العدم أضعف الأصول، ولكن لا محيص عن القول بحجيته. ورابعها الاستصحاب، وهو إجراء ما

كان في الزمن السابق إلى الزمن اللاحق في شرعيات أو عرفيات أو عاديات مع القول ببقاء الأكوان غنية

عن المؤثر أو محتاجة إليه وعدمه. وعليه عامة المجتهدين إلاّ مَن شذّ منهم، ولبناءِ أرباب الشرائع قديما

وحديثا، بل جميع الناس عليه في جميع الأمور شرعية أو عرفية أو عادية، فلا يطلب شاهد على بقاء

موجود بعد وجوده أو معدوم بعد عدمه، بل يطلب على الخلاف فكلما وجد وأمكن فيه البقاء من أحكام أو

هيئات أو صفات أو أوضاع، ككفر وإسلام وإيمان وعدالة وفسق وطهارة ونجاسة وإباحة وحرمة وحُسْن

وقبح ومرض وصحة واستقامة واعوجاج، وهكذا حُكِم ببقائه مع بقاء متعلقة، وإلاّ فلا. لان وجود التابع

والعارض مقرون بوجود المتبوع والمعروض وفيما يفهم من الأخبار المعتبرة المتكثرة من إن اليقين لا

يُنقض بالشك. وإن حصول اليقين من حيث هو بالوجود في الزمن الأول لا يهدمه الشك في الزمن الثاني

فيكون ناقضا له عرفاً لا يختص بما إذا حصل سبب الاستمرار من خارج ليتحقق النقض كما قيل. ويتمشى

بمقتضى السيرة في سائر الموضوعات والأحكام من غير الشرعية أو منها مع القطع بالواقع في الحكم

الواقعي بحكم عقل أو ضرورة دين أو مذهب أو سيرة أو إجماع أو أخبار قطعية الإفادة، ومع الظن المعتبر

بالحكم الظاهري مالم يعارضه أقوى منه ولا يعارض بما يتعلق بالأسباب والمؤثرات مما تعلق بالآثار، فبقاء

طهارة المطهر، وبقاء نجاسة المتنجس، لا يعارضها أصالة بقاء نجاسة المتنجس، وبقاء طهارة الطاهر

وأصالتها. وربما أُدعي القطع في ذلك. فإني لا أرى إن أحداً يرضى أنْ يأكل أو يشرب أو يتوضأ أو يغتسل

من ماء في إناء معلوم النجاسة بعد زوال عينها بمجرد إحتمال عروض الطهارة أو يصيب بدن كافر يحتمل

عروض الإسلام له برطوبة، أو يشرب من ماء شرب منه بمجرد إحتمال الإسلام، أو أإرضا رطبة متنجسة

لاحتمال ورود العاصم من الماء، أو إشراق الشمس المجفف عليها، أو الخمر لاحتمال انقلابه، أو العصير

لاحتمال نقص ثلثيه، أو البئر لاحتمال زوال تغييرها أو الماء المتنجس، لاحتمال إتصاله بالمعصوم، أو وقوع

الكرّ عليه، أو الحيوان المقتول لاحتمال تذكيته إلى غير ذلك. وهو خلاف ما عليه السيرة المستمرة،

ودعوى أن الفارق الإجماع في البعض بعيدة عن التحقيق، والظاهر أن حكم ظاهر الشرع كباطنه،

فالنجاسة الثابتة بالأصل كالمعلومة، فلا وجه لمنع الصغرى أو الكبرى. ويجري في أصل العدم المثبت

للنجاسة نحو ما جرى في الاستصحاب بالنسبة إلى حيوان ميّت شُكّ في تذكيته، أصاب طاهر يتنجس

بملاقات النجس؟ نعم لا يجري حكم الاستصحاب مع معارضة أصل مستقل غير تابع، ويبنى هناك على

الراجح. ومثله إذا ما توسط حكم عقلي يتوقف عليه الحكم الشرعي كثوب رطب أصاب نجاسة مع

احتمال جفافه وسقوط نجاسة في هواء المسجد مع احتمال الحاجز، وعروض القتل يزيد وليس في الدار

سوى عمرو، وجري الماء على المغسول مع احتمال عدم الحجب، ونحوها من الأصول المثبتة للمُثَبَّت

من غير ترتب شرعي.








وأما الإخباريون فلما كان مذهبهم قصر الحجة على الضرورتين والكتاب والسنّة النّبوية المفسرين كما

نقله عنهم أمينهم، لم يعتدّوا بهذا الأصل، ولا بغيره من الأصول ولا بما عدا ماذكروا من الأدلة. والظاهر أن

حالهم هنا كحالهم فيما مر ويجيء في الأصول علمهم مخالف لعملهم وسنبيّن لك إن شاء الله أنهم في

كل المطالب أو جُلّها كذلك.
المطلب الثالث: في الكتاب
































وقد منع من العمل بظاهره غير مفسر بالأخبار العاملون بظاهر الأخبار، حتى ترقّى كثير منهم إلى لفظ

الله والرحمن وإبليس والشيطان وفرعون وهامان والأرض والسماء والهواء والماء ونحوها، وكلماته عندهم

بأسرها من المجملات والمتشابهات، لا يعرف شيء منها إلاّ بتفسير الروايات الصادرة من الأئمة الأطهار

دون الواردة عن النبي المختار (ص) إذا لم تكن مفسرة، وهذا من الأقوال العجيبة، والأمور الشنيعة

الغريبة لمخالفتها للآيات الكثيرة المشتملة على إنه عربي مبين وأنه هدى وبيان وتبيان ويهدى إلى

الحق وإلى صراط مستقيم ويُبشَّر به المؤمنين، وينذر الكافرين، وتقشعر منه الجلود، وعلى الذمّ على

عدم تدبرهم إياه، وإنه أُنزل للتذكير، ونزول براءة، وارسال علي(عليه السلام) بها ليقرأها على

المشركين، وتنزيلها على خصوص الوعد والوعيد خروج عن مفاهيمها وعن طريقة الفريقين، وتقسيم

آياته إلى محكمات ومتشابهات، والرد اليه عند المنازعة والاحتجاج على المشركين واليهود والنصارى.

والتعجيز بسورة وعشر سور مثله، وإن المؤمنين إذا سمعوا ما أنزل الله تفيض أعينهم من الدمع، وأن

بعض الجن استمعوه فقالوا إنه قرآن عجب يهدي إلى الرشد، وإنه يقص على بني إسرائيل، وإن

المؤمنين يزيدهم هدى، والذين في قلوبهم مرض يتبعون ما تشابه منه، وانه لو كان من عند غير الله

لوجدوا فيه اختلافا كثيرا، وانه لو نزل على بعض الاعجمين، لم يؤمنوا به، والاحتجاج بانه كتاب مصدق لما

معهم، وانه مصدق لما بين يديه، وانه يوعظ به وان آياته مفصلة لقوم يتفكرون، وانه ذكرى للمؤمنين، وان

آياته بصائر ورحمة وان المنافقين يحْذَرُونَ أنْ تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم، وأنه إذا نزلت

سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيماناً، وإن الكتاب أنزل تبياناً لكلّ شيء، وإن آياته إذا تُليَت يعرف

في وجوه الذين كفروا المنكر، وإنه يَعْلمه علماء بني إسرائيل وإن الآيات إذا تُليَت قالوا ما هذا إلاّ رجل

افترى، وأنه أنزل وفيه ذكرى للمخاطبين، وإن آياته اذا تُليت عليهم يقولون ائتنا بكتاب غير هذا أو بدله،

وإن منهم من يسمع آيات الله تُتْلى عليه فيصرُّ مستكبراً، وأنه ينطق عليهم بالحق في باب الاحتجاج وإن

الملحدين إذا قُرِء عليهم يعجبون ويضحكون ولا يبكون وإنه إذا أُنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض، وإنه إ‏ذا

بُدّلت آية مكان آية قالوا إنما أنت مفترِ، وإن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرّون للأذقان

سجداً، وأنهم إنْ كانوا صادقين فليأتوا بحديث مثله وإن الله صرف نفراً من الجن إلى النبي (ص)

ليستمعوا القرآن فلمّا حضروه قالوا انصتوا إنهم رجعوا إلى قومهم منذرين واخبروا بإعجاز القرآن، وإنه إذا

انزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال كان الكافر كالمغشي عليه من الموت، وانهم قالوا إن هذا إلاّ سحر

يؤثر ان هذا إلاّ قول البشر، إلى غير ذلك من الآيات، وهذه الآيات جلّها مفهوم، معناها من كلام أهل

العصمة في الروايات والخطب والمواعظ ونحوها فلا دَوْر، والروايات المتواترة معنى المشتملة على وجوب

الرجوع إليه كأخبار الثَقَلَين ونحوها، وإن الفتن إذا أقبلت كقِطَع الليل المظلم لزم الرجوع إلى كتاب الله،

لأن فيه بيانا وتفصيلاً، وإن ما وجدتم في كتاب الله أو السنّة لزمكم العمل به، ولا عُذرَ لكم في تركه، وإن

على كل حق حقيقة وعلى كل صواب نور، فما وافق كتاب الله فخذوه، وما خالف كتاب الله فدعوه، وإن كلّ

شيء يُرَد إلى الكتاب والسنّة، وإن كلّ شيء مردود إلى كتاب الله، وكلّ مالا يوافق كتاب الله فهو زخرف،

وإن الحديث إذا كان له شاهد من كتاب الله قُبِل وإلاّ ردّ، وإن القرآن حَمَّال ذو وجوه فاحمِلوه على أحسن

الوجوه وإن من ردَّ متشابه القرآن إلى محكمه هُدي إلى صراط مستقيم إلى غير ذلك. والتخصيص

بالمفسر لا وجه له لقلته وعدم معرفته كلاً أو جلاً قبل جمع الأخبار، مع إن ظاهر بعضها إن الخبر لايقبل

إلاّ مع موافقته له، وللسيرة المستفادة من تتبع كلمات الأئمة(عليهم السلام) في احتجاجهم على

المخالفين والمؤالفين، ولا معنى للتوقف على التفسير كاحتجاج أمير المؤمنين(عليه السلام) على

عاصم بن زياد لمّا حرّم على نفسه الطيبات بقوله تعالى [وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ، فيهَا فَاكِهَةٌ]، وقوله تعالى

[يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَاْلمَرْجانُ] واحتجاج الزهراء (I) على أبي بكر لمّا منعها الإرث بقوله تعالى [ وَوَرِثَ سُلَيْمنُ

دَاوُدَ]، وَنُقل في بعض الروايات إضافة قوله [فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً، يَرِثُنيَ وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ]، [وَأُولُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ

أَوْلى بِبَعْضٍ]، وفي كتاب الله [ يُوْصِيكُمُ اللهُ في أَوْلادِكُمْ لِلذّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ]، [إِنْ تَرَكَ خَيْرً الوَصيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالأَقْرَبينَ

واحتجاج أمير المؤمنين (عليه السلام) على الصحابة، لمّا تفرقوا عنه بقوله تعالى[وَلاَ تَكُوْنُوا كَالَّذينَ تَفَرَّقُوا

وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ اْلبَيِّنَاتُ]، واحتجاج الصادق (عليه السلام) على سفيان الثوّري، وفي خبر آخر على

عباد بن كثير حيث اعترضا عليه في لبس الثياب الحسنّة بقوله تعالى [قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِيْنَةَ اللهِ…]، واحتجاج

الهادي(عليه السلام) على أهل الاهواز في اثبات إمامة أمير المؤمنين(عليه السلام) بقوله تعالى [إِنَّمَا

وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولَهُ وَالَّذيْنَ آمَنُوا…]، واحتجاج الجواد(عليه السلام) على القاضي يحيى بن أكثم في مجلس

المأمون في ردِّ أخبارٍ رواها في حق أبي بكر من إنّ جبرائيل (عليه السلام) نزل على النبي(ص) فقال: يا

محمد سَلْ أبا بكر هل هو عني راضٍ فإني عنه راض، وفي حق عمر أنه قال يوماً (لو لم أُبْعَث لبُعِثَ

عمر بن الخطاب)، (وقال لو نزل العذاب ما نجى منه الا عمر)، وذكر لردّ الأول في حقّ الأول قوله

تعالى [لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ ، وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ…]، إلى آخره، فقال: كيف يخفى على الله رضى أبي

بكر وسخطه؟ فيسأل عنه، وفي ردّ الثاني قوله تعالى [وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيينَ ميثَاقَهُمْ]، [وَإِذْ أَخَذَ اللهُ ميثَاقَ





النَّبِيينَفخصّ النبوة بما لم يُشرِك، فكيف ينالها من أشرك في أكثر زمانه؟ وفي ردّ الثاني في

حقّ الثاني بقوله تعالى [وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأنْتَ فيهِمْ وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ]، قال: فكيف لاينجو



إلا عمر؟ وقال (ص): ((كثَرت عليَّ الكذّابة، وستكثر فإذا أتاكم الحديث فاعرضوه على كتاب الله

وسنتي…)) إلى أن قال ما مضمونه: (فما وافق فاعملوا عليه وما خالف فاتركوه)، واحتجاج الرضا

(عليه السلام) على ابن الكَوّا في عدم جواز نكاح المسلم النصرانية، بقوله تعالى [وَلا تَنْكِحُوا المُشْرِكَاتِ

فاعترضه ابن الكَوّا، في قوله تع
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
وفاءعبده
موجة شرفيه
موجة شرفيه
avatar

عدد المساهمات : 492
تاريخ التسجيل : 04/05/2010

مُساهمةموضوع: رد: المقدمة   السبت أكتوبر 02, 2010 1:44 pm

المقدمة
الحمد لله الذي هدانا بمناهج الاحكام، ودلنا بضوء مدارك الأعلام إلى معالم اصول الحلال والحرام

ونستعين بكلمته التي أنشأ بها نشأتي الآخرة والأولى، وطرد شياطين الأوهام بأنوار البراهين،

وقمع أعداء الدين إلى مهوى المبعدين، ونصلي على محمد المبعوث بكتاب الله ونوره المنزل معه

على كافة الأنام، وآله المطهرين عن ظلمات الأوهام بأنوار الحق واليقين.
تابع




وبعد، فان من أجل العلوم منزلة بعد المعارف الحقيقية علم أصول الفقه، اذ به يُهْتَدى إلى

معالم الأحكام، وقوانين الحلال والحرام، وكان من جملة ماصنف كتاب المستطاب المسمى،

بحق المبين في تصويب المجتهدين وتخطئة الإخباريين، من مصنفات امام المجتهدين، وخاتم

الفقهاء الراشدين، وفقيه المسلمين، وآيه الله في الأرضيين، الشيخ جعفر النجفي كاشف الغطاء

طاب ثراه، فكم أودع فيها من دقائق تحقيقاته، ونتائج أفكاره الذي لم يصل اليه أيدي أكثر العلماء،

وترفَع فيها ماخفي على المتقدمين، ولعمري كم أودع فيها من التحقيقات والفروعات المتعلقة

بالمسألة من البيانات الطالعة، والأنوار الساطعة على ما لا يخفى من نظير فيها وطالع، فعليكم

بمطالعة هذا الكتاب حتى ينوِّر القلوب والعيون، فاعرفوا قدره، ولا ترخصوا مهره والله ولي التوفيق.
بســـــم الله الرحمن الرحيم
الحق المبين
وبه ثقتي




الحمد لله الذي خلق الإنسان وعلمه البيان، وصلى الله على محمد وآله سادات الزمان، ماطلعت

الكواكب، وظهر في السماء نجم ثاقب. وبعد: فانه قامت الحرب على ساق واحد، وكثر الجدال

والقيل والقال، حتى ملأ جميع الأقطار والافاق بين فريقين من الأمامية والطائفة المحقة السالكة

مسلك الشريعة المحمدية، وبسبب ذلك انقسموا إلى قسمين مجتهدين وأخباريين، وبعد النظر

في البين يظهر الرجوع لكل منهما إلى أحد الثقلين، فان المجتهدين ان لم يرجعوا إلى الأخبار

ولم يعولوا على ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله والأئمةالأطهار، مرقوا عن الدين، ولم

يوافقوا شريعة سيد المرسلين، والإخبارية ان لم يجتهدوا في المقدمات التي يتوقف عليها فهم

الأخبار والروايات، خرجوا عن طريقة الأمامية، ولم يسلكوا مسلك الفرقة المحقة الجعفرية،

فمرجع الطرفين إلى ما رُوي عن سادات الثقلين. فالمجتهد أخباري عند التحقيق، والإخباري

مجتهد بعد النظر الدقيق، ففضلاء الطرفين بلطف الله ناجون الواصلون إلى الحق منهم والقاصرون

والجهال المقصِّرون والطاعنون على المجتهدين المشيدين لأركان الدين هالكون، فلا يرد علينا

تشنيع بعض المخالفين من المسلمين بان الخلاف كما وقع بين الفقهاء الأربعة وقع بين

المجتهدين والإخباريين، اذ لانزاع بيننا في أصول الدين، ولا مانع عندنا من الرجوع إلى الطرفين

في معرفة حكم رب العالمين، وانما جعل لكل اسم على حدة لحصول الخلاف بينهم في مسائل

متعددة، وان كان الحق فيها مع المجتهدين اذ الإخباريون فيها مخطئون لكنهم غير مقصرين، وان

كان انكارهم لكثير منها يشبه انكار ضروري من العقل والدين، لانهم لم يقصروا في النظر،

وسبقتهم الشبهة فكانوا ممن قصر لامن قَصَّر، على انه ليس من مَذهَبِنا الاقتصار على علماء

معينين لايجوز التجاوز عنهم، ولو إلى الافضل منهم ونحن نشير اليها على التفصيل، ونبين

حقيقة مذهب المجتهدين باوضح دليل، ثم نبين ما استند اليه كل من الفريقين، ونوضح القوي

والضعيف من الجانبين، ونقتصر على ذكر شطر صالح منها مع اقامة البرهان، لانها عجالة سفر

برزت إلى الوجود بلطف الله الملك المنان في دار السلطنة والايمان والعلم والعبادة أصفهان.

حماها الله من نوائب الزمان مادارت الافلاك بكواكبها، واختلف المَلَوان، وقد كنت عزمت فيما

مضى من عمري، وتقضى من ايام دهري اّلا اجول في هذا الميدان، ولا اتعرض للدخول بين

الفضلاء والأعيان، حذرا من النفس الامارة، وابليس، ولان ابن اللَبّون لايستطيع صولة البزل

القناعيس، لكن دعاني اليه وأوجب علي القدوم عليه، التماس ولدي الطاهر المطهر علي بن

جعفر "أطال الله بقاه"، وجعلني فداه مع كثرة مارأيت من طعن بعض الجهلاء على ورثة علوم

خاتم الأنبياء، والأئمة الأمناء، حتى كادوا ان يشبّهو على العوام ويلبسوا الحال على غير اولى

الأفهام، وينحصر البحث في ذكر تلك المسائل مع الاشارة إلى بعض الشواهد والدلائل، وهي

كثيرة لاتحصى في مثل هذه الرسالة الموجزة لاينبغي ان تذكر بتمامها وتسطر فلنقتصر على

ذكر المهم منها، وفيه مطالب.

المطلب الأول: في العقل






اعلم انه لاريب في ان للمؤثرات فيما يترتب عليها من الآثار والصفات من الذوات والصفات

خصوصيات، وليس ذلك الترتيب من الامور الاتفاقيات في شرعيات أو عاديات أو عرفيات، فترتب

التسخين والتبريد والقتل والتعذيب والعلم والادراك مثلا، على النار والثلج والضرب والعقل، بدون

واسطة أو بتوسط الحواس الظاهرة أو الباطنة، انما هو لخصوصيات فيها فان البديهة تحكم

باقتضائها لذاتها لا لمجرد الجعل الإلهي وقضاء العادة، خلافا لبعض الأشاعرة، وكذا موافقة الطبع

ومنافرته للمبصرات والمسموعات والمشمومات والمذوقات والملموسات مما يتعلق بالحواس

الظاهرة، وما حل في الفكر أو الخيال ونحوهما، مما يتعلق بالحواس الباطنة، انما هي لأسباب

ومقتضيات، وكذا موافقة العقل مع عدم الواسطة، فالعقل جُعِل سلطانا على النفس، يأمرها بما

يصلحها، وينهاها عما يفسدها فهي منقادة له إلاّ إذا قويت عليه لنفسها، أو بمعونة الشيطان،

وكذا النفس جعل لها سلطان على الاَّعضاء، لا يصدر عنها شيء خيراً أو شراً إلا عن أمرها،

فالعقل إذا أدرك شيئا بواسطة أو بدونها من فساد الدنيا أو صلاحها في فعل أو ترك حكم على

صاحبه به وجوبا أو تحريما أو ندبا أو كراهة أو تخييراً، و عَلِم استحقاق المدح والذم والعقاب في

مقاماتها، وقضى على غيره لو كان مقدورا له بذلك، وفرض أو ندب على كل مطاع من سيد، أو

غيره منع مطيعه من إرتكاب مايفسده، واوجب عليه المؤاخذة أو ندب اليها على حسب اختلاف

المقام، واستحق المطيع المدح، والعاصي الذم منه ومن سائر العقلاء، فالعقل متكفل بتدبير

النفس يبين لها ما يصلحها في امر دنياها وما يفسدها فيه من معاش ومسكن وفراش وغيرها

بحسب ما يعلمه من الاسباب المقتضية للصلاح أو الفساد، فمتى ظهر له سبب يقتضي احد

الامرين عمل على ما علمه، وإلاّ رجع إلى من هو أعقل منه، وأعرف في الجهة التي حاولها

فيرجع إلى عقول ارباب الصنائع في الصناعة والاطباء في الطبابة وفي معرفة الضار والنافع إلى

عقول العارفين، وأما ما استقل بمعرفته من مقتضيات حرّ وبرد وجوع وعطش ومنجي ومهلك

وموافق ومخالف، فلا حاجة فيه إلى المرشد وقد قضي اللطف بإيداع معرفة كيفية المعاش في

جميع الحيوانات ناطقها وصامتها، سوى ماقضت الحكمة بجعله جائزاً كالفراش، وأودع الخوف من

كل من له سلطان في قلب الناطق والصامت من الحيوان، فلم تزل الورد يخاف من مُؤذَياتها

من مجانساتها وغيرها من الإنسان، وغيره من السباع والحيات والعقارب ونحوها، وعلمها

اسباب النجاة من هرب ونحوه، وكذا المولّى عليه من عبد وخادم ورعية ونحوهم، فانهم لما

أدخلهم تحت سلطان من له الولاية عليهم أودع في قلوبهم معرفة مافيه سبب النجاة والهلاك

من الطاعة والانقياد والمعصية والعناد المبنية على الموافقة والمخالفة للمراد، مما يترتب عليه

الصلاح أو الفساد للموالي أو العبيد، ومتى حصل الوفاق أو الخلاف منهم علموا بانهم مستحقّوا

المدح أو الذم والثواب أو العقاب من مواليهم أو غيرهم، غير إن الداعي للموالي مثلا ذو وجهين،

ما يتعلق بصلاح انفسهم، وما يتعلق بصلاح العبيد، وفي حق الواجب ذو وجه واحد وهو صلاح

العباد، وأما من جهة أوامر الشرع ونواهيه مما يتعلق بالآخرة، فالحكم فيها أبْيَن وأظهر لأنه لا ينزّه

أحد من الإغماض عن صلاح عبيده وفسادهم كتنزيه الله ولا يحكم بارادة صلاحهم على أحد،

كالحكم على الله، فكيف يحكم العقل والعقلاء بديهة بأن عقلاء الموالي يقبح عليهم ان لا يحرّموا

على الموالي ظلم العباد والإفساد في البلاد والخيانة والسرقة والكذب الضار وفعل الفاحشة

وقتل النفس من غير سبب، وهتك حرمة المحرمات إلى غير ذلك ولايحكمون بمثل ذلك على

الله، ولذلك ذهب المجتهدون من اصحابنا (رضي الله عنهم ) إلى إن العقل حجّة في الأصول

والفروع، للعلم بأن أحكام الشرع إنما هي عن أسباب ومقتضيات كما يستفاد من صريح الآيات

والروايات، وإمكان إدراك بعض تلك الأسباب غير خفي على أولي الألباب، فمتى اهتدى العقل

إليها أحب أو كره وجودها، ثم الأيجاد ثم أراد ثم مدح أو ذمّ، ثم حكم على من حلّ فيه وعلى

غيره وعاقبهما، لو كان العقاب مقدوراً له ويقع منه عفو، وحيث علم إن الله مع حكمته، قد علم

بما علم قضى بأنه كان منه ماكان منه، من حيث الوجود، ثم الإيجاد ثم الإرادة، ثم الطلب

وعكسها مع ترتب استحقاق المدح والذم والثواب والعقاب من وجهين، مع زيادة إمكان المؤاخذة،

ووقوعها فعلا مع عدم العفو، فما أدركه بنفسه غني فيه عن الدليل، وما خفى عليه يحتاج فيه

إلى مرشد ودليل، فحكم العقل بالحسن والقبح شرعاً وعرفا وعادة من الضروريات ومما قضى به

نص الكتاب والروايات في مواضع كثيرة غير محصورة وربما كان استقلاله في بعض الفروع أظهر

من الأصول، ولو لم يستقل في كلا الأمرين لم يصلح الاستدلال به في خصوص احد الجانبين،

والظاهر إنه محلّ اتفاق بين العقلاء من الكفار والمسلمين من المؤمنين وغيرهم، إنما أنكره

الأشاعرة في الأصول والفروع في أمور الدنيا والدين، أما لإنكار الأسباب والمقتضيات مُطلقاً، كما

يظهر من بعضهم، أو في خصوص الأحكام، وأما لإدراك العقل إياها وأما لعدم الاعتماد عليه لوقوع

الغلط منه، وأما لأن الشرع لايتبعه مستندين إلى ما دلّ من الكتاب والسنّة على إنه لاتعذيب

قبل البعثة.






وفيه أنه لا يُفهم من ذلك إلاّ إرادة ما قبل الإعلام، كما يظهر من معنى العبارة إذا قالها السيد

لعبده وأنه يمكن إرادة العفو منها، أو يراد فيما بعث فيه وإرادة العقل بالرسول بعيدة وإلى وقوع

التكليف بالمحال في أمر أبى لهب وغيره بالإيمان مع نص الكتاب والنبي(ص) على عدم وقوعه

فيكونون مأمورين بالتصديق والتكذيب معاً ولأنه لا يمكن كذب النص فيلزم التكليف بالمحال وفي

قضاء الكفار فيما فيه قضاء المشروطة صحته بالإسلام القاضي بحرمة الإتيان به والعقل حاكم

بعدم جوازه، وفيه انه ممنوع ووجهه ظاهر، وبالاجبار في أفعال العباد، أو أن الفاعل هو الله وهما

مردودان بما لايخفى. واحتج لهم بأنّا نرى حكم العقل يختلف بالنسبة إلى الفاعلين والمفعولين

والأمكنة والأزمنة والهيئات والأوضاع، ولو كان حاكما لما اختلف حكمه، ولم يكن الحُسْن والقبْح

تابعين للشرع في إذنه وأمره ونهيه، فلم يحسن قتل المؤمن من ملك الموت لموافقة الأمر ويقبح

من غيره لعدمها، ولا قتل الورد في التذكية دون غيرها للإذن، ولا قتل العالَم بالغضب على

واحد منهم وإيقاع الطاعون والإحراق بالصواعق من الله وقبح من غيره، ولا حسن حصول شيء

من الملاك وقبح من غيرهم.




وفيه أن المدار على مراعات الجهات والاعتبارات وأورد عليهم لزوم إفحام الأنبياء والاعتذار بالفطرة

أو الإجبار وبالمعارضة بمثله لاوجه لها، والكلام معهم طويل ليس هذا مقامه.






وأما أصحابنا الإخباريون فحيث قصروا الحجّة في غير الضرورتين على الألفاظ الواقعة في الكتاب

والسنّة النبوية مفسرين بالأخبار ولم يعولوا على جميع ما أفاد المراد مع انه لا يخفى على

عاقل إن الألفاظ انما تُلحَظ لكشف المراد لا لنفسها بديهة في جميع خطابات العقلاء، لان مدار

صفة الطاعة والمعصية والانقياد والامتثال والتسليم والائتمار والانتهاء والعبودية ونحوها على

المراد اختلفت كلمتهم فظهر من بعضهم إنكار الأسباب ومن بعض إنكار إدراك العقل، ومن بعض

إنكار التعويل على إدراكه لكثرة كذبه فاشبه قولهم بذلك قول العنادية، ومن بعضهم تسليم إدراكه

وصوابه، وإنكار الملازمة بينه وبين الشرع ولو أنهم نظروا في تكاليف السادة لعبيدهم وكل مطيع

لِمُطاعهِ لعلموا إن المدار في جميع المحال والاقطار وفي جميع اللغات وسائر العبارات على

المراد دون الأفاظ، ولا يشك عاقل في ان السيد إذا إمر عبده بان لايوقظه من الحق نومه فجاءه

سبع أو أفعى أو نحوهما أو إمره بالإتيان بماء من الكوز فوجد فيه ماء متعفنا ووجد حوله ماء عذباً

خالياً عن الموانع، أو قال: اقتل هذا ولم يعلم أنه ولده بل زعم أنه عدوه، فأبقاه على نومه حتى

قضي عليه وجاءه بماء الكوز وقتل ولده، فلما لِيْمَ على ذلك اعتذر بان هذا مقتضى حديثه ونصّه

ولست أخالف قوله إلاّ بحديث مثله عد عاصياً أو مجنوناً مسلوب الرأي، ولم يقبل عذره عند

العقلاء، وإنما اقتصرنا على هذا القليل من الكلمات، لأن الغرض إنما هو الرد على الزاعمين أنهم

غير مأمورين إلاّ بالعمل بالروايات، وما قيل من إن البحث فيه قليل الثمرة لأن جميع ما يستقِلُّ به

العقل داخل في الضروريات وفي ذلك غنْيَة عن الاستدلال به مردود بما سيجيء في تحقيق

أسباب الاحتياج إلى المسائل الاصولية.
المطلب الثاني: دليل العقل






ما يسمى دليل العقل باصطلاحهم، وهو أقسام والمهم هنا التعرض لأربعة أقسام، إذ هي عمدة

موضوع النزاع بين الفريقين: أحدها أصل الإباحة، بمعنى مطلق الجواز. ثم قد يراد به إباحة

الاستعمال في المستعملات من خصوص المأكولات والمشروبات أو مطلق المستعملات فيعمها

مع الملبوسات والمفروشات، وما يتعلق بها أو مطلق الأعمال والانتفاعات. ثم قد يراد به خصوص

مسلوب الرجحان من الطرفين مع التعميم في المتعلق أو التخصيص ويساوي على التعميم أصل

البراءة بالمعنى الاعم، وعلى الأول يقدم الواجب على الحرام عند التعارض ولتقديم المستحب

على المكروه وجه وعليه بالمعنى الآخر تعميماً وتخصيصاً عوّل المجتهدون وبنوا عليه الأحكام

الشرعية والمطالب الفقهية فيما عدا ما علم من الشرع أصالة حرمته، كمملوك الغير والوقف

الخاص في غير الأراضي والمياه المتسعة وما يتعلق بهما من سموك ونباتات وحصى، وما يخرج

من الارض من كمأة ونحوها في وجه وعدا ما فيه تعدّ على إنسان أو حيوان معتبر دون غيره من

المتناهي في الصغر وعدا مايتعلق بالوطئ في إنسان وغيره وما يتبعه في نوع الإنسان ولحوم

الطيور، والمشكوك في وقوع تذكيته وما تعلق بالعبادات، ويجرى في المشتركات من الاوقاف

العامة وغيرها، مالم تناف جهة الانتفاع المعدّة له. والاستصحاب فيها مردود بتبدل الموضوع،

ونقل الصدوق (رضي الله عنه ) إجماع الإمامية، وقضت به السيرة المستمرة من زمن الانبياء

السابقين إلى زماننا. وسيبقى ذلك إلى يوم الدين. ولم تزل ائمتنا (عليه السلام) وأصحابهم

ونوّابهم من العلماء يطلبون الدليل من المحرم، وقد استقرت عليه آراء الناس قديما وحديثا

وغرس في اذهانهم، فلا يتوقفون في ضروب النباتات وأنواع الأفعال والأوضاع والحركات والسكنات،

لأن البناء على هذا الأصل كالضروري فيما بينهم ويؤيد ذلك عدم تعرض العلماء لذكر المباحات في

غير ما أصله التحريم، وبذلك ثبت معذورية جهّالهم، كيف لا وجميع مايستبيحونه من غير نص لا

يمكنهم الاستناد فيه إلى غير الضرورتين من سيرة أو اجماع، لعدم حجيتهما عندهم، ولعدم

ثبوتهما في اكثر الجزئيات، ولا إلى الضرورتين للوجه الأخير مع إن الضرورة إن تعلقت بجميع

الأفراد لزم ألاّ يجوز العدول للعثور على دليل، ولم يقل به احد وإلا كان من العمل بالظن، لأوله إلى

العلم وهذا غير مقبول عندهم. وقد استمر عمل الإخباريين على ذلك، ويؤيد ذلك إن نسبة

الحرام إلى الحلال في غير الإعيان، وفيها فيما عدا الحيوان كنسبة المحصور إلى غير المحصور،

فهذا القسم كغيره من كثير من الاقسام الآتية مما اختلف فيه علمهم وعملهم، ويفيده من

الأخبار ما دلّ على حجب القلم عما لا يعلم. وإن ما حجب الله علمه موضوع، وإن كل شيء

مطلق وحلال، حتى تعلم حرمته إلى غير ذلك. وفيما دلّ من الكتاب والسنّة على ان مخلوقية

مافي الارض لانتفاعنا وتفسير الاعتبار لاينافي، لأن البطون لا تنافى الظهور وفي استدلال الإمام

علي(عليه السلام) على عاصم بن زياد لما حرَّم على نفسه الطيبات بقوله تعالى [والأرض

وضعها للانام] أبين شاهد عليه. فما ذهب اليه الإخباريون من أصالة الحرمة واقعاً أو ظاهراً، أو

التوقف لأخبار وردت في مقام التعارض أو مطلقاً معوّل عليها عند الجميع لوجوب الرجوع إلى

الامام (عليه السلام) أو نوابه مع قيام الشبهة وحصول الشك، وإلاّ انسد باب الرجوع إلى

الأئمة(عليهم السلام) غالباً. ثم أنهم (رضي الله عنهم ) موافقون للمجتهدين غالباً بالحكم،

مخالفون بالاسم ولا تراهم يرجعون إلى أصلهم، إلاّ فيما وقع فيه البحث كدخان التنباك مثلاً دون

باقي الدخاخين، وإن ساوقه في المدرك المقرر عندهم. ثانيها أصل البراءة، وقد يدخل في أصل

العدم باعتبار نفي الرجحان، وإن كانت الإباحة حكماً، فتكون للحجية مدركاً، وفي أصل الإباحة

على بعض الوجوه وهو بالنسبة إلى حكمي الوجوب والندب مما قامت عليه البديهة، وجرت

عليه سيرة الانبياء السابقين وأوصيائهم إلى عصر خاتم النبيين، ثم الأئمة الطاهرين، ثم العلماء

المرضيين، فإنْ كلّ من ادعى أحد الحكمين طولب بالدليل، ولم يطالَب النافي بل يحكم بأن

الحق معه حتى يقوم دليل الخلاف، ولم تزل الأدلة تقام على ثبوتهما دون نفيهما من

ائمتنا(عليهم السلام) وجميع علمائنا. ولذلك دوَّنَهما العلماء في كتبهم دون ضدهما من الإباحة

وللزوم تكليف مالا يطاق على القول بعدمه، ولدلالة الاخبار المتواترة المعنى على رفع القلم

عمّن لا يعلم وإن المحجوب علمه موضوع حكمه وعليه المجتهدون. ونسب إلى الإخباريين

أمينهم "أي الشيخ الاستربادي" انكار ذلك وأما حكم الحظر والكراهة فتجري فيه عند فقهائنا

المجتهدين، ولا ينبغي الشك فيه لمثل ماذكرناه في هذا المقام، وفي بحث أصل الإباحة، لكن

لارجوع للمجتهد بعد حصول الشبهة من تعارض الأخبار أو من غيره إلاّ بعد بذل الوسع في طلب

ماينفيه من الأدلة، ولا للعامي إلاّ فيما جرى على وفق العادة، واستمرت عليه أو مع العجز عن

الوصول إلى الفقيه، وهذا الأصل في القسمين الاوليين جارٍ في حكم كل آمر ومأمور ومُطِيع

ومُطَاع، وكذا بالنسبة إلى الآخيرين، وأما الإخباريون فقد نفوا ذلك وهم محجوجون بما أوردناه من

الشواهد وما ذكروا من إن ذلك مردود بما روي بعبارات مختلفة تشبه أن تكون متواترة المعنى (

من إن لله تعالى في كل واقعة حكماً) مردود، بان المراد بهذا الأصل كأصل الطهارة، وصحة دعوى

المسلم وعقده وفعله إثبات الحكم الظاهري التكليفي وهو غير ملازم للواقعي. فالمراد إذاً أن

الحكم بعدم التكليف مقدم على الحكم به، وهذه المسألة أيضاً مما خالف فيها عملهم. فإنه لا

يسع متشرع ترك العمل بذلك للزوم فساد النظام. وثالثها أصل العدم، وربما دخل فيه أصل

البراءة وأصل الإباحة من أحد الوجهين، وهو حجّة عند المجتهدين، لأنه من الأصول التي عوَّل

عليها العقلاء، وجرت عليه سيرة الأنبياء والأوصياء إلى زمان خاتم الأنبياء والأئمة الأُمناء، ونوّابهم

من العلماء، فإن الشاهد إنما يطالب على الأثبات، فإن لم يكن كان البناء على العدم، وعلى

مثل ذلك بنى جميع العوام من الكفار وأهل الإسلام، ويدل عليه مع ذلك إن لا نسبة للموجود

على المعدوم، وهو في حقه بمنزلة المعدوم وحجيته لذاته لا لجريان حكم الاستصحاب فيه، وإن

كانا قَلَّ مايفترقان، ولذلك يجري في المجردات عند من يدعي قدمها، وفي اختلاف الأحوال

يطرئان الوجود والعدم وتكررهما على المحل الواحد، وأمّا الإخباريون فقد دخل فيما أنكروه من

وجود حجة بعد الضرورتين، سوى الكتاب المفسر بالأخبار، وان كان جميع ما ادعاه المجتهدون،

مأخَذه من الروايات، وهذا أيضاً مما اختلف فيه علمهم وعملهم، وشرط حجيته ألاّ يطرأ طارئ

الوجود فيعارضه ذمه الاستصحاب، وهو أقوى منه. وأصل العدم أضعف الأصول، ولكن لا محيص عن

القول بحجيته. ورابعها الاستصحاب، وهو إجراء ما كان في الزمن السابق إلى الزمن اللاحق

في شرعيات أو عرفيات أو عاديات مع القول ببقاء الأكوان غنية عن المؤثر أو محتاجة إليه وعدمه.

وعليه عامة المجتهدين إلاّ مَن شذّ منهم، ولبناءِ أرباب الشرائع قديما وحديثا، بل جميع الناس

عليه في جميع الأمور شرعية أو عرفية أو عادية، فلا يطلب شاهد على بقاء موجود بعد وجوده أو

معدوم بعد عدمه، بل يطلب على الخلاف فكلما وجد وأمكن فيه البقاء من أحكام أو هيئات أو

صفات أو أوضاع، ككفر وإسلام وإيمان وعدالة وفسق وطهارة ونجاسة وإباحة وحرمة وحُسْن وقبح

ومرض وصحة واستقامة واعوجاج، وهكذا حُكِم ببقائه مع بقاء متعلقة، وإلاّ فلا. لان وجود التابع

والعارض مقرون بوجود المتبوع والمعروض وفيما يفهم من الأخبار المعتبرة المتكثرة من إن اليقين

لا يُنقض بالشك. وإن حصول اليقين من حيث هو بالوجود في الزمن الأول لا يهدمه الشك في

الزمن الثاني فيكون ناقضا له عرفاً لا يختص بما إذا حصل سبب الاستمرار من خارج ليتحقق

النقض كما قيل. ويتمشى بمقتضى السيرة في سائر الموضوعات والأحكام من غير الشرعية أو

منها مع القطع بالواقع في الحكم الواقعي بحكم عقل أو ضرورة دين أو مذهب أو سيرة أو إجماع

أو أخبار قطعية الإفادة، ومع الظن المعتبر بالحكم الظاهري مالم يعارضه أقوى منه ولا يعارض بما

يتعلق بالأسباب والمؤثرات مما تعلق بالآثار، فبقاء طهارة المطهر، وبقاء نجاسة المتنجس، لا

يعارضها أصالة بقاء نجاسة المتنجس، وبقاء طهارة الطاهر وأصالتها. وربما أُدعي القطع في ذلك.

فإني لا أرى إن أحداً يرضى أنْ يأكل أو يشرب أو يتوضأ أو يغتسل من ماء في إناء معلوم النجاسة

بعد زوال عينها بمجرد إحتمال عروض الطهارة أو يصيب بدن كافر يحتمل عروض الإسلام له

برطوبة، أو يشرب من ماء شرب منه بمجرد إحتمال الإسلام، أو أإرضا رطبة متنجسة لاحتمال

ورود العاصم من الماء، أو إشراق الشمس المجفف عليها، أو الخمر لاحتمال انقلابه، أو العصير

لاحتمال نقص ثلثيه، أو البئر لاحتمال زوال تغييرها أو الماء المتنجس، لاحتمال إتصاله بالمعصوم،

أو وقوع الكرّ عليه، أو الحيوان المقتول لاحتمال تذكيته إلى غير ذلك. وهو خلاف ما عليه السيرة

المستمرة، ودعوى أن الفارق الإجماع في البعض بعيدة عن التحقيق، والظاهر أن حكم ظاهر

الشرع كباطنه، فالنجاسة الثابتة بالأصل كالمعلومة، فلا وجه لمنع الصغرى أو الكبرى. ويجري في

أصل العدم المثبت للنجاسة نحو ما جرى في الاستصحاب بالنسبة إلى حيوان ميّت شُكّ في

تذكيته، أصاب طاهر يتنجس بملاقات النجس؟ نعم لا يجري حكم الاستصحاب مع معارضة أصل

مستقل غير تابع، ويبنى هناك على الراجح. ومثله إذا ما توسط حكم عقلي يتوقف عليه الحكم

الشرعي كثوب رطب أصاب نجاسة مع احتمال جفافه وسقوط نجاسة في هواء المسجد مع

احتمال الحاجز، وعروض القتل يزيد وليس في الدار سوى عمرو، وجري الماء على المغسول مع

احتمال عدم الحجب، ونحوها من الأصول المثبتة للمُثَبَّت من غير ترتب شرعي.



وأما الإخباريون فلما كان مذهبهم قصر الحجة على الضرورتين والكتاب والسنّة النّبوية المفسرين

كما نقله عنهم أمينهم، لم يعتدّوا بهذا الأصل، ولا بغيره من الأصول ولا بما عدا ماذكروا من الأدلة.

والظاهر أن حالهم هنا كحالهم فيما مر ويجيء في الأصول علمهم مخالف لعملهم وسنبيّن لك

إن شاء الله أنهم في كل المطالب أو جُلّها كذلك.
المطلب الثالث: في الكتاب






وقد منع من العمل بظاهره غير مفسر بالأخبار العاملون بظاهر الأخبار، حتى ترقّى كثير منهم

إلى لفظ الله والرحمن وإبليس والشيطان وفرعون وهامان والأرض والسماء والهواء والماء ونحوها،

وكلماته عندهم بأسرها من المجملات والمتشابهات، لا يعرف شيء منها إلاّ بتفسير الروايات

الصادرة من الأئمة الأطهار دون الواردة عن النبي المختار (ص) إذا لم تكن مفسرة، وهذا من

الأقوال العجيبة، والأمور الشنيعة الغريبة لمخالفتها للآيات الكثيرة المشتملة على إنه عربي

مبين وأنه هدى وبيان وتبيان ويهدى إلى الحق وإلى صراط مستقيم ويُبشَّر به المؤمنين، وينذر

الكافرين، وتقشعر منه الجلود، وعلى الذمّ على عدم تدبرهم إياه، وإنه أُنزل للتذكير، ونزول براءة،

وارسال علي(عليه السلام) بها ليقرأها على المشركين، وتنزيلها على خصوص الوعد والوعيد

خروج عن مفاهيمها وعن طريقة الفريقين، وتقسيم آياته إلى محكمات ومتشابهات، والرد اليه

عند المنازعة والاحتجاج على المشركين واليهود والنصارى. والتعجيز بسورة وعشر سور مثله،

وإن المؤمنين إذا سمعوا ما أنزل الله تفيض أعينهم من الدمع، وأن بعض الجن استمعوه فقالوا إنه

قرآن عجب يهدي إلى الرشد، وإنه يقص على بني إسرائيل، وإن المؤمنين يزيدهم هدى، والذين

في قلوبهم مرض يتبعون ما تشابه منه، وانه لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا،

وانه لو نزل على بعض الاعجمين، لم يؤمنوا به، والاحتجاج بانه كتاب مصدق لما معهم، وانه

مصدق لما بين يديه، وانه يوعظ به وان آياته مفصلة لقوم يتفكرون، وانه ذكرى للمؤمنين، وان

آياته بصائر ورحمة وان المنافقين يحْذَرُونَ أنْ تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم، وأنه إذا

نزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيماناً، وإن الكتاب أنزل تبياناً لكلّ شيء، وإن آياته

إذا تُليَت يعرف في وجوه الذين كفروا المنكر، وإنه يَعْلمه علماء بني إسرائيل وإن الآيات إذا تُليَت

قالوا ما هذا إلاّ رجل افترى، وأنه أنزل وفيه ذكرى للمخاطبين، وإن آياته اذا تُليت عليهم يقولون

ائتنا بكتاب غير هذا أو بدله، وإن منهم من يسمع آيات الله تُتْلى عليه فيصرُّ مستكبراً، وأنه ينطق

عليهم بالحق في باب الاحتجاج وإن الملحدين إذا قُرِء عليهم يعجبون ويضحكون ولا يبكون وإنه إذا

أُنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض، وإنه إ‏ذا بُدّلت آية مكان آية قالوا إنما أنت مفترِ، وإن الذين أوتوا

العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرّون للأذقان سجداً، وأنهم إنْ كانوا صادقين فليأتوا بحديث مثله

وإن الله صرف نفراً من الجن إلى النبي (ص) ليستمعوا القرآن فلمّا حضروه قالوا انصتوا إنهم

رجعوا إلى قومهم منذرين واخبروا بإعجاز القرآن، وإنه إذا انزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال

كان الكافر كالمغشي عليه من الموت، وانهم قالوا إن هذا إلاّ سحر يؤثر ان هذا إلاّ قول البشر،

إلى غير ذلك من الآيات، وهذه الآيات جلّها مفهوم، معناها من كلام أهل العصمة في الروايات

والخطب والمواعظ ونحوها فلا دَوْر، والروايات المتواترة معنى المشتملة على وجوب الرجوع إليه

كأخبار الثَقَلَين ونحوها، وإن الفتن إذا أقبلت كقِطَع الليل المظلم لزم الرجوع إلى كتاب الله، لأن

فيه بيانا وتفصيلاً، وإن ما وجدتم في كتاب الله أو السنّة لزمكم العمل به، ولا عُذرَ لكم في تركه،

وإن على كل حق حقيقة وعلى كل صواب نور، فما وافق كتاب الله فخذوه، وما خالف كتاب الله

فدعوه، وإن كلّ شيء يُرَد إلى الكتاب والسنّة، وإن كلّ شيء مردود إلى كتاب الله، وكلّ مالا

يوافق كتاب الله فهو زخرف، وإن الحديث إذا كان له شاهد من كتاب الله قُبِل وإلاّ ردّ، وإن القرآن

حَمَّال ذو وجوه فاحمِلوه على أحسن الوجوه وإن من ردَّ متشابه القرآن إلى محكمه هُدي إلى

صراط مستقيم إلى غير ذلك. والتخصيص بالمفسر لا وجه له لقلته وعدم معرفته كلاً أو جلاً قبل

جمع الأخبار، مع إن ظاهر بعضها إن الخبر لايقبل إلاّ مع موافقته له، وللسيرة المستفادة من

تتبع كلمات الأئمة(عليهم السلام) في احتجاجهم على المخالفين والمؤالفين، ولا معنى

للتوقف على التفسير كاحتجاج أمير المؤمنين(عليه السلام) على عاصم بن زياد لمّا حرّم على

نفسه الطيبات بقوله تعالى [وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ، فيهَا فَاكِهَةٌ]، وقوله تعالى [يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ

وَاْلمَرْجانُ] واحتجاج الزهراء (I) على أبي بكر لمّا منعها الإرث بقوله تعالى [ وَوَرِثَ سُلَيْمنُ دَاوُدَ]، وَنُقل

في بعض الروايات إضافة قوله [فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً، يَرِثُنيَ وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ]، [وَأُولُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ

أَوْلى بِبَعْضٍ]، وفي كتاب الله [ يُوْصِيكُمُ اللهُ في أَوْلادِكُمْ لِلذّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ]، [إِنْ تَرَكَ خَيْرً الوَصيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ

وَالأَقْرَبينَ]، واحتجاج أمير المؤمنين (عليه السلام) على الصحابة، لمّا تفرقوا عنه بقوله تعالى[وَلاَ

تَكُوْنُوا كَالَّذينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ اْلبَيِّنَاتُ]، واحتجاج الصادق (عليه السلام) على سفيان

الثوّري، وفي خبر آخر على عباد بن كثير حيث اعترضا عليه في لبس الثياب الحسنّة بقوله

تعالى [قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِيْنَةَ اللهِ…]، واحتجاج الهادي(عليه السلام) على أهل الاهواز في اثبات إمامة

أمير المؤمنين(عليه السلام) بقوله تعالى [إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولَهُ وَالَّذيْنَ آمَنُوا…]، واحتجاج

الجواد(عليه السلام) على القاضي يحيى بن أكثم في مجلس المأمون في ردِّ أخبارٍ رواها في

حق أبي بكر من إنّ جبرائيل (عليه السلام) نزل على النبي(ص) فقال: يا محمد سَلْ أبا بكر هل

هو عني راضٍ فإني عنه راض، وفي حق عمر أنه قال يوماً (لو لم أُبْعَث لبُعِثَ عمر بن

الخطاب)، (وقال لو نزل العذاب ما نجى منه الا عمر)، وذكر لردّ الأول في حقّ الأول قوله

تعالى [لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ ، وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ…]، إلى آخره، فقال: كيف يخفى على الله

رضى أبي بكر وسخطه؟ فيسأل عنه، وفي ردّ الثاني قوله تعالى [وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيينَ ميثَاقَهُمْ

[وَإِذْ أَخَذَ اللهُ ميثَاقَ النَّبِيينَفخصّ النبوة بما لم يُشرِك، فكيف ينالها من أشرك في أكثر

زمانه؟ وفي ردّ الثاني في حقّ الثاني بقوله تعالى [وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأنْتَ فيهِمْ وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ

وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ]، قال: فكيف لاينجو إلا عمر؟ وقال (ص): ((كثَرت عليَّ الكذّابة، وستكثر فإذا

أتاكم الحديث فاعرضوه على كتاب الله وسنتي…)) إلى أن قال ما مضمونه: (فما وافق

فاعملوا عليه وما خالف فاتركوه)، واحتجاج الرضا (عليه السلام) على ابن الكَوّا في عدم

جواز نكاح المسلم النصرانية، بقوله تعالى [وَلا تَنْكِحُوا المُشْرِكَاتِ]، فاعترضه ابن الكَوّا، في قوله

تعالى [وَالمُحْصَنَاتِ مِنَ الَّذينَ أُوتُوا الكِتَاب]، فقال: هي منسوخة، واحتجاج أبي جعفر الباقر (عليه

السلام) حيث ذكر أن صلاة السفر ركعتان فاعترضه زرارة ومحمد بن مسلم، بأن الله لم يقل

افعلوا، فأجابهما بالمعارضة بقوله تعالى [فَلاجُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا]، واحتجاج الصادق(عليه
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
المقدمة
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
أمواج الأندلس أمواج عربية  :: ألواحة ألاسلامية :: المناوعات الاسلامية-
انتقل الى: