أمواج الأندلس أمواج عربية
أهلا ومرحبا بك زائرنا الكريم، إذا كانت هذه زيارتك الأولى للمنتدى، يشرفنا أن تقوم بالتسجيل اذا رغبت بالمشاركة في المنتدى، أما إذا رغبت بقراءة المواضيع فتفضل بزيارة القسم الذي ترغب أدناه
عزيزى الزائر يسعدنا ان تنضم الينا وتلحق بنا
كى تفيد وتستفيد بادر بالتسجيل مع اطيب الامنيات ادارة المنتدا
ورجاء التسجيل باسماء لها دلالية الاحترام



وطن واحد هدف واحد قلب واحد قلم واحد تلك هى حقيقة أمواج الاندلس
 
أمواج الأندلسأمواج الأندلس  الرئيسيةالرئيسية  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  افضل موقع لتعلم الجرافيكافضل موقع لتعلم الجرافيك  أضغط وادخل وابحثأضغط وادخل وابحث  

شاطر | 
 

 ليلة إنطفاء الشموع

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ابو منه
عضو مميز
عضو مميز
avatar

عدد المساهمات : 577
تاريخ التسجيل : 24/01/2010
العمر : 42

مُساهمةموضوع: ليلة إنطفاء الشموع   السبت ديسمبر 17, 2011 9:44 am

ليلة إنطفاء الشموع



يالا هذه الحياة عجيب أمرها !

يأتي الإنسان إليها ولا يفارقه الأمل والطموح مع يقينه بأنه تاركها يوما ما , ولكن متى ؟ وكيف ؟ وأين ؟ فهو في علم الله وحده .

حتى أن الإنسان يكون بينه وبين أجله ساعة واحدة وهو لا يدري , وقد نسج بالوهم مستقبل يحتاج لأعوام وأعوام وعمر مديد , فإذا بالأجل يباغته فيسقط ما بناه من الوهم ويبقى الحق , ويتغير الواقع وقد يتغير مستقبل ذويه بأكمله .

قصة عايشتها ومأساة غيرت مستقبل أسرة بأكملها فحاولت سردها بأسلوبي البسيط رغم عدم براعتي في السرد أو القصص , أحداثها واقعية وأشخاصها حقيقية , لكن الحوارات من وحي خيالي ولكن في إطار الواقع ودونما إبتعاد عن حقيقة ما حدث .

في القرية الصغيرة التي أعيش فيها والتي تتميز بشوارعها الواسعة المنتظمة إلى حد كبير يشوبه بعض العفوية في مناطق مختلفة, كما تتميز بالمساحات الفضاء الكثيرة بها والتي تتقلص يوما بعد أخر , وفي إحدى شوارعها في أقصى الغرب , قد انزوى بيت في تواضع بين تطاول البيوت المتلاصقة على جانبيه حتى انك لا تستطيع أن تشعر بوجوده إلا حينما تكون على بعد أمتار قلائل منه , يتكون من دور واحد ذو طلاء متآكل تشعر حين تنظر إليه أن الزمن يعود بك إلى الماضي عشرون عاماً , مما يظهر عليه من القدم وعوامل الزمن شأنه كشأنه بعض البيوت القلائل في القرية التي مازلت تحتضن الماضي في شكلها وطرازها .

يقطن فيه ( عم صالح ) وهو رجل جاوز الخامسة والخمسون من عمره مع زوجته التي تصغره بخمسة أعوام تقريبا ولهما من الأبناء ثلاثة , بنت وولدان .

الولد الأكبر ( محمود 25 سنة ) ويعمل بإحدى مضارب الأرز بالمدينة التي تبعد حوالي 7 كيلو عن القرية شأنه في ذلك شأن الكثير من أبناء القرية فقد ترك التعليم ولم يكن قد أنهي المرحلة الابتدائية بعد , وظل يعمل في مجالات شتى حتى أستقر بالعمل بهذا المضرب منذ عدة سنوات سعيا منه في مساعدة والديه وتوفير حياة كريمة لهم وتلبية احتياجات أخته وأخيه الصغار التي تزداد مع مراحل التعليم المختلفة حتى أنه الآن يعتبر مصدر الدخل الرئيسي للعائلة بل يمكن أن نقول مصدر الدخل الوحيد بعدما كبر والده وتضاءلت فرصته في العمل .

كل ذلك جعله ومنذ الصغر قريباً لقلب والديه يشاركنه في أي مسألة تشغلهما ويضعون رأيه موضع الاهتمام ويهونا عليه حمل المسؤلية المبكرة التي تفوق سنه ونجحا في ذلك إلى حد كبير .

وقد طارا فرحا حينما استطاعوا أن يزوجوه , بعدما وجدا عروسة مناسبة ( فاطمة ) ظروف عائلتها مقاربة لظروفهم , واستطاعوا الاتفاق على ما يلزم للزواج , بعيدا عن مبالغات هذا الزمان , وتلاشيا للكماليات الغير ضرورية للحياة الزوجية , وبتكلفة بسيطة استطاعوا أن يزوجوه , وكانت زوجة طيبة مطيعة لزوجها ووالديه واستطاعت أن تكسب حب الأب والأم منذ البداية .

وقد عمت الأسرة بهجة وفرح كبيرين حينما أنجبت فاطمة ( محمد ) ابنها الأول , وفرح به الأبوين فرحا شديداُ فقد كان بمثابة الزهرة التي نبتت في غروب عمرهم , وارتبطت به الأسرة بأكملها وملأ البيت بهجة بضحكاته وصرخاته ومداعباته منذ قدومه , وكلا منهم يريد مداعبته من حين لأخر ولم يعودا يستغنيا عن رؤيته صباحاً ومساءً وقد بلغ الان عمره سنة ونصف .

والبنت ( أمال 23 سنة ), تتصف منذ صغرها بالهدوء والخجل والطاعة لوالديها وقربها الشديد من أمها , كأم وصديقة في آن واحد, وحبها للتعليم , وتفوقها بين زميلاتها , وقد استطاعت أن تلحق بصفوف العدد القليل من بنات القرية اللواتي استطعن الوصول للتعليم الجامعي وبالفعل حصلت على الشهادة الجامعية العام الماضي برغم ظروف الآسرة الصعبة إلا أن الأب أصر على أن يوفر لأبنته كل ما يلزمها للحصول على شهادتها ولو على حساب راحته وصحته وعاونه في ذلك أبنه الأكبر ( محمود ) , وكأن الأب يريد بذلك أن يتحسن وضعه الاجتماعي بين أهل القرية , وأن يؤمن لأبنته حياة كريمة , ووضع أفضل مما هم فيه , حيث ستتيح لها الشهادة إمكانية الارتباط بشخص ذو وضع اجتماعي مناسب , وحالة مادية أفضل , ينتشلها من هذه الحياة البائسة , وبالفعل تقدم لخطبتها شاب مناسب كما تمنى لها الأبوان , وقد اتفقا على ميعاد الخطبة ولم يتبقى سوى عشرة أيام على الموعد المحدد فأسرعا الأبوين والابن الأكبر وزوجته في التجهيز لذلك اليوم الذي انتظروه طويلاً .

أما الابن الأصغر( أحمد 15سنه )- لكنه ومنذ الصغر نال من التدليل ما لم يحظى به أخوه الأكبر, لكونه أصـغر الأبناء أو كما يقال(أخر العنقود ) , لكنه لا يعطي التعليم بعض من اهتمامه , رغم أن أبوه وأخوه الأكبر يلبيان كل ما يلزمه للدراسة شأنه شأن أخته لكنه تعثر كثيرا حتى وصل الصف الأول الإعدادي .

ولسنا في حاجة لسرد الحياة اليومية لهذه الأسرة البسيطة من البداية , أو حتى أن تناول تفاصيل دقيقة في حياتها , فيكفينا فقط ذلك اليوم , حقاً أنه يوم لكنه غير مصير تلك الأسرة بالكامل وكأنه أعوام كثيرة , بل إن الأعوام الكثيرة لا تفعل في حياة الأسرة مثل ما فعله ذلك اليوم , ولا تستطيع أن تغير مصير الأسرة بالكامل مثلما حدث لهم في ذاك اليوم , حقاً أنه يوم لكنه يساوي قرناً من الزمان , وإليكم وقائع ذلك اليوم :

أنه يوم الأثنين 5/12/2011 .

بدأت شمس ذلك اليوم تشرق , وبدأت الحياة تدب في أطراف القرية شيئاً فشيئاً , وبدأت تهتز نشاطاً , فهؤلاء المزارعون يذهبون إلى حقولهم وهم يقتادون مواشيهم , القرية في نشاط النمل الساعي للبحث عن رزقه , وهم يخرجون من جميع أركان ليلتقون في الطريق المؤدي إلى مزارعهم في زحام معهود ومنظر متكرر يومياً.

وهؤلاء خارجون مبكرين لعملهم بالمدينة البعيدة إلى حد ما , ما بين مدرسين ومحامين وموظفين وعمال .

ولم يكن (عم صالح ) من هؤلاء أو هؤلاء , فلم يكن يمتلك أرض زراعية أو ماشية أو وظيفة , بل كان يعمل بالأجر في حقول الفلاحين من أهل القرية .

وها نحن نقترب أكثر من بيت عم صالح , لنكون برفقتهم طوال هذا اليوم , ونرى ونسمع عن قرب حواراتهم وتحركاتهم .

فها هو محمود قد تهيأ للذهاب لعمله بمضرب الأرز بالمدينة ( الفراكة) .

الأم : محمود حاول متتاخرش علشان نروحوا نشتروا شوية طلبات لأمل عشان الشبكة .

محمود : حاضر ححاول استاذن بدري شوية .

الام : ويا ريت تعرف تجيب قرشين من صاحب الشغل تحت الحساب عشان طلبات الشبكة .

محمود : أنا لسه واخد منه مية جنيه تحت الحساب مش عارف حيرضى ولا لا ..؟

فاطمة : الواد باين عليه لسه سخن من ليلة إمبارح , أجي معاك أكشف عليه ؟

محمود : وريني كده ( ويضع يده على جبهة محمد ) لا مش سخن ولا حاجة , دا دافي شوية بس , لو فضل تعبان وديه الصيدلية ياخد خقنه وخلاص .

أنا ماشي بقى .. عاوزين حاجة .

الام : ربنا يكرمك ويفتحها في وشك .

وخرج محمود

الام : يلا يا أحمد قوم عشان المدرسة , الساعة بقت 6.5 .

يا أمال .. قومي يلا .. حضري الفطار مع فاطمة .

أمال :حاضر .

قامت أمال وقام عم صالح وقام أحمد وجلسوا يفطروا مع بعض كالعادة , وبعد شوية قام أحمد راح المدرسة .

الأم : متنساش يا أبو محمود تبعت للحاج متولي والحاج حسن والحاجة سعاد عشان يحضروا خطوبة أمال , دول خوالها ولازم يكونوا موجودين .

عم صالح : ماشي كمان يومين حروح واعزمهم واعدي على عيال عمي اعزمهم كمان .

الأم: وأنا حلف على الحريم اللي جنبنا واعزمهم كلهم .

عم صالح : طولي بالك لسه بدري فاضل عشر ايام .

الأم : الأيام بتجري وأنا ورايا حاجات كتير وعاوزاهم يقفوا جنبي .

أمال : وانا كمان حتصل بزمايلي واعزمهم لانهم كانوا مأكدين عليَ .

الأم : وماله اعزميهم يا حبيبتي , ياه يا أمال...أخيرا حفرح بيكي دا يوم المنى , يلا يا فاطمة اعملي الشاي علشان نقوموا نشوفوا ورانا أيه .

فاطمة : حاضر يا اما .

عم صالح : هو محمد لسه نايم ولا ايه مش عوايده يعني .

فاطمة : دا تعبان وسخن من الصبح .

عم صالح : تعبان وسايبينه كده .

فاطمة : شوية سخونية بس وحيبقى كويس .

عم صالح : حقوم اشوفه .

( راح جابر ودخل على السرير حط ايده على محمد لقاه سخن باسه وغطاه وخرج )

عم صالح : الواد سخن صحيح أنا حاخده للصيدلية اديله حقنه ولا حاجة .

الأم : روحي يا فاطمة مع ابوكي بس لبسي محمد حاجة تقيله .

فاطمة : حاضر .

( وخرج عم صالح ووراه فاطمة شايله محمد ومشيوا لحد الصيدلية اللي في القرية , وقابلهم الصيدلي وقاس درجة حرارة محمد لقاها 39 اداله حقنه وقالهم متقلقوش حيبقى كويس بس ينام ويتغطى كويس , واخدوه وروحوا على البيت ) .

الأم : خير عملتوا ايه . هاتيه يا فاطمة .

تعالي يا روح ستوا ( وباسته ) .

فاطمة : ادالوا حقنه وقالي حيبقى كويس .

عم صالح : بس ترضعيه وتغطيه كويس وهو حيخف وحيبقى حلو ,

أنا حتكل على الله بقى .

الأم : انت رايح فين ؟

عم صالح : أنا رايح مع الحاج سعيد عشان نتفقوا مع بتاع النور , خلي بالكم من الولد ولو صحي متخلهوش يطلع في البرد .

فاطمة : حاضر يا ابا متخفش .

الأم : ابقى أسال في الوكالة على الطماطم والبطاطس والبسلة بكام عشان عاوزين نشتروا عشان طبيخ الشبكة .

عم صالح : ماشي ربنا يسهل .

خرج عم صالح , ودخلت فاطمة نايمت ابنها ورجعت قعدت مع إيمان وأمها في الصالة , يتكلموا في التحضير للشبكة شوية وفي المعازيم شوية وفي اللبس شوية وفي الأكل شوية ويشتغلوا في البيت شوية .

ومرت الساعات ومحمد صحيي من النوم وقعد يلعب على حجر سته ورجع أحمد من المدرسة واتغدوا سوا وكلامهم في نفس الموضوع وكأنهم من كتر فرحتهم مش عاوزين يتكلموا في حاجة تانية غير موضوع الشبكة والمعازيم .

وحوالي الساعة 4 بعد العصر رجع عم صالح من مشواره ودخل البيت وقعد مع الأسرة .

عم صالح : السلام عليكم .

الام : عليكم السلام .

يا فاطمة

فاطمة : نعم .

الام : هاتي الغدا لابوكي .

فاطمة : حاضر .

الام : عملت ايه ؟

عم صالح : الولد عامل ايه ؟ لسه سخن ؟

الام : لا بقى كويس دافي شوية بس , بيلعب وكويس اهوه .

عم صالح : الحمد لله .

الام : عملت أيه ؟

عم صالح : خلاص اتفقنا مع الراجل حيجي يوم الشبكة بعد العصر علطول وحيمشي بعد العشا .

الام : كويس . عديت على الوكالة ؟

عم صالح : لا والله , نسيت خالص , بكره أروح وأسال .

الام : بس ضروري مفيش وقت , باقي عشر ايام بس .

عم صالح : يا عالم مين يعيش .

ومرت حوالي ساعتين ( حوال الساعة 6 مساءً ) ورجع محمود من الشغل

محمود : السلام عليكم .

الاب والام : عليكم السلام .

الام : حمدالله على السلامة .

محمود : الله يسلمك .

قومي يا أمل هاتي لأخوكي ياكل .

محمود : وفاطمة فين ؟

الام : بترضع محمد عشان ينام .

محمود : هو عامل ايه دلوقتي ؟

الأم : كويس خالص , اخد حقنه الصبح في الصيدلية وبقى كويس .

محمود : حقوم أشوفه .

دخل الاوضة لقي فاطمة قاعدة بتنيم الولد.

محمود : محمد نايم ولا صاحي ؟

فاطمة : بينام .

( راح باسه وحط ايده عليه )

محمود : شكله لسه دافي شوية .

فاطمة : كان كويس بس رجع سخن شوية تاني .

محمود : لو فضل سخن كده حاخده وأروح اكشف عليه في البلد في دكتور كويس هناك .

فاطمة : حنيموا شوية يمكن يبقى كويس .

( خرج محمود وقعد يأكل جنب أبوه وأمه وأخوه وأخته وبعد شوية خرجت فاطمة )

الأم : محمد نام ؟

فاطمة : أيوه نام وغطيته كويس ؟

الأم : اعملي كباية شاي بقى لمحمود .

فاطمة : حاضر .

( وقامت فاطمة عملت الشاي وقعد محمود يشرب الشاي , وفجأءة سمعوا صوت محمد بيعيط , جريت فاطمة وجابته وهي لفاه بالبطانية ) .

فاطمة : محمد سخن أكتر من الأول .

محمود : طيب لبسيه هدوم تقيله والبسي وتعالي .

عم صالح : رايحين فين ؟

محمود : حنكشفوا على محمد .

عم صالح : فين ؟

محمود : حنروحوا البلد هناك دكتور كويس وعشان نطمنوا عليه .

الأم : بس الجو برد قوي على الولد .

محمود : مهي فاطمه حتقل عليه في اللبس .

عم صالح : يلا وأنا حروح معاك خليكي أنت يا فاطمة .

محمود : لا يا ابا خليك أنا حشوف تكتك يودينا ويجيبنا ومش حنغيبوا .

أنا رايح اشوف التكتك وجاي .

وخرج محمود , والأب قام شال الولد وباسه والأم أخدته منه وحضنته , شوية ورجع محمود .

محمود : يلا التكتك واقف بره يلا يا فاطمة .

فاطمة : طيب جايه .

(أمال بعد ما شالت الولد )

أمال : يلا وأنا حروح معاك .

محمود : خليكي أنت كفاية أحنا .

أمال : مش التكتك حودينا ويجبنا مش جنغيبوا ؟

محمود : ايوه .

أمال : خلاص يلا بينا , أنا حروح معاك عشان حشتري زيت وكريمات وشوية طلبات طلبتهم مني خالتي مبروكة عشان الشبكة وملقتهاش في الصيدلية اللي عندنا , خليكي أنتي يا فاطمة .

( والست مبروكة هي متعهدة تجميل الفتيات في المناسبات السعيدة في القرية , وقد برعت في ذلك وقد كانت تعمل بالفعل في إحدى الكوافيرات بالمدينة ثم أكتفت بأن تظل في القرية لحاجة أولادها لرعايتها , فأكتفت بتجميل نساء القرية في المناسبات وغيرها ) .

محمود : شوفي اللي أنت عاوزاه واكتبيه وأنا حجيبهولك معايا .

أمال : لا أنا عاوزة انقي بنفسي , وأهو بالمرة مدام التكتك رايح يبقى أروح معاك .

الأم : خلاص يا محمود متزعلهاش خدها معاك .

محمود : طيب ..... خليكي أنت يا فاطمة , يلا بينا يا أمال .

وخرج محمود ووراه أمال شايله الولد وركبوا التكتك .

والساعة تقريباً ال 7 مساءً

والطريق عندنا من القرية للمدينة يبلغ طوله حوالي 13 كيلو متر منهم 2 كيلو عبارة عن الطريق الفرعي الخاص بالقرية والذي تمت إنارته بالكامل بالجهود الذاتية ومهمته توصيل القرية بالطريق الرئيسي المتجه إلى المدينة والقادم من اتجاه مدينة دمنهور ( عاصمة المحافظة ) والذي يبلغ طوله حوالي 11 كيلومتر من خط القرية وحتى المدينة والخالي تماما من أي إنارة.

فضلاً عن الكم الهائل من المطبات المنتشرة بطوله والتي صنعها الأهالي الذين يسكنون على جانبي الطريق في تجمعات سكنية أو بيوت متفرقة حيث قاموا بصنعها أملاً في القبض على البلطجية تلك الأكذوبة التي انتشرت في جميع البلاد خلال فترة الثورة .

والوضع المعتاد للطريق عندنا من القرية إلى المدينة في مثل هذا التوقيت - أي من السابعة مساءً وحتى السابعة صباحاً – أن يكون هادئ غير مزدحم كباقي ساعات النهار وتقل عدد السيارات المارة عليه بشكل ملحوظ وتكون أغلبيتها من سيارات النقل الثقيل التي تفضل نقل حمولاتها أثناء الليل لتتفادي ازدحام النهار .

أي أن الخروج في ذاك التوقيت يكون أكثر أماناً ولم يكن هناك ما يستدعي وجود أي قلق من الأب والأم على خروج أبنائهم في هذا الوقت أو ذهابهم بالتكتك للمدينة فالتكتك أصبح من المواصلات الأساسية عندنا وأنتشر بشكل ملحوظ خصوصاً في فترة الثورة حيث غياب الرقابة المرورية ولا يخلو الطريق منه نهاراً وسط زحام السيارات لذا فالطبيعي أن الخروج به ليلاً يكون أكثر أماناً .

وبالفعل خرج التكتك متجهاً إلى المدينة مستهدفاً أحد الأطباء اللذين يملئون المدينة وهو يحمل بداخله السائق – وهو من أبناء القرية أيضاً – ومحمود وأخته أمال وولده الوحيد محمد .

وبعد حوالي نصف ساعة وصلوا إلى الدكتور المقصود وأنتظروا حتى حان دورهم فدخلوا للطبيب الذي طمأنهم على محمد وكتب له بعض الأدوية التي لابد من كتابتها حتى ولو لم يكن المريض بحاجة إليها , ثم ذهبوا للصيدلية المجاورة للدكتور وقاموا بشراء العلاج , وقامت أمال بشراء بعض مستلزماتها التي طلبتها الست( مبروكة ) ثم ركبوا مجدداً في التكتك إستعداداُ للعودة من جديد , وكانت الساعة قد قاربت على التاسعة مساءً حين أنفلت التكتك من ضوضاء المدينة وأخذ يطوي طريق العودة وبعدما قطع حوالي نصف الطريق أو أقل قليلاً إذا ب (سلامة ) سائق التكتك يلمح في مرآة التكتك اليسري سيارة كبيرة من سيارات النقل الثقيل تأتي خلفه في سرعة جنونية في روعنه واستهتار من سائقها مما جعله يتنحى أقصى اليمين ويبطيء في سرعة حتى يمرر هذه السيارة المرعبة وقال : -

سلامة : أيه ده .

محمود : فيه أيه .

سلامة : عربية كبيرة داخلة بسرعة جامدة ورانا .

محمود : أستنى هدي أنت لما يعدي .

سلامة : ماشي , أنا حوسعله الطريق خالص .

أمال : أحسن سيبه يعدي خلي ربنا يستر.

( أحمد بيعيط )

أمال : بس يا حمو خلاص قربنا نوصلوا .

سلامة : أيه ده ؟؟

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إنقطع الحديث فجأة ؟؟؟؟؟

دعونا نقترب لنراقب ما يحدث عن قرب .

ها هي السيارة الكبيرة تسير بسرعة جنونية قد مرت وتخطت التكتك , ولكننا لا نرى التكتك ؟؟؟

ولنقترب أكثر لنتغلب على الظلام الكثيف .

يا إلهي أنه هناك , !!!! يا إلهي , فعلا إنه هو التكتك ملقى بجانب الطريق !!!!!!!!! غير معقول !!!!!!!!

لقد مرت السيارة الضخمة ولكنها تركت الطريق الواسع وأختارت أن تمر من فوق التكتك , ثم أنطلق بها السائق هارباً دونما رأفة أو رحمة منهم أو محاولة إنقاذ من بالتكتك .

وبعد عدة دقائق تمر أحد سيارات الركاب ( ميكروباص ) بداخله حوالي سبعة ركاب لاحظو التكتك فتوقف السائق على الفور وهرول الركاب إلى التكتك لمحاولة إنقاذ من به , فإذا بهم يجدوا سلامة سائق التكتك وهو يتأوه من الألم وملقى على بعد متر تقريباً من التكتك فحمله بعضهم إلى السيارة الميكروباص , ثم أتجه الأخرون لداخل التكتك والذي قد أطبق على من بداخله وبعد محاولات أستطاعوا بصعوبة أخراج محمود والذي وجدوه قد فارق الحياة , وبه إصابات بالغة , ولاحظوا ما بوجهه من تشوه نتيجه تخبطه بين حطام التكتك , ثم أخرجوا أمال والتي لم تكن أحسن حالاً من أخيها ووجدوها قد فارقت الحياة أيضاً وهي تطبق بيديها على إبن أخيها الصغير محمد , والذي لاحظوا أنه مازال على قيد الحياة , فأنتزعوه من يدها بصعوبة , وحملوهم جميعا مسرعين إلى المستشفي , علهم يستطيعون إنقاذ السائق والطفل , لكن الطفل وقبل أن يصلوا إلى المدينة كان قد لحق بأبيه وعمته , وكأنه فضل ألا يتركهما , فوصلوا الثلاثة إلى المستشفى جثث هامدة , أما السائق فكانت حالته أفضل بكثير فقد أصيب بكسر في فخذه الأيمن مع كدمات متفرقة بالجسم , مع أنه لا يستطيع الكلام لكنه على أية حال نجا من الموت .

وأمتلئت المستشفى بالممرضات وأثنين من الدكاترة ( النبطشية ) لإجراء الإسعافات والإجراءات الطبية اللازمة كما قامت نقطة شرطة المستشفى بالإتصال بقسم الشرطة وقام أمين شرطة النقطة بمتابعة الحالة لعمل المحضر اللازم .

ونترك المستشفى قليلاً ريثما تنتهي الإجراءات ونعود للقرية لبيت الضحايا ننظر حال أهلهم وهم لا يعلمون شيئاً بعد :

فالأب قد جلس ومعه جاره الحاج سعيد وفي أدنى الصالة تجلس الأم مع فاطمة زوجة إبنها مع زينب جارتهم وأما أحمد فقد جلس متكأً وهو يفتح الكتاب ويبدو أنه يكتب واجبه أو يتظاهر بذلك .

عم صالح : ربنا يستر بقى والجو ميشتيش لحد الخطوبة متعدي .

الحاج سعيد : إن شاء الله , الجو كويس أهوه بقاله يومين .

عم صالح : أنا كنت عاوز أخلي الخطوبة على مطلاع صيف , بس أهل العريس صمموا .

الأم : كده أحسن يا أبو محمود , خلينا نفرحوا بيها , أن شاء الله الجو حيبقى كويس ,وحيبقى أحلى يوم , أحن عندنا كام بنت يعني ؟.

الحاج سعيد : أمل جدعة وربنا حيكرمها إن شاء الله .

زينب : بس المفروض كنتوا جيبتوا نقلتين ردم قدام البيت عشان المية اللي وقفه دي , عشان الناس اللي حتيجي .

عم صالح : دي ميكفيهاش 10 نقلات والنقلة ب 50 جنيه والحالة مش مستحملة .

الحاج سعيد : أحسن حاجة نخلي الكراسي على أول الشارع في الحتة العالية قدام بيت الحاج رجب .

عم صالح : يمكن ميرضاش ؟.

الحاج سعيد : الراجل مش حيقول حاجة , ملكش دعوة انت أنا حكلمه .

الأم : والله إحنا تعبينك معانا يا عم سعيد .

الحاج سعيد : تعب إيه بس , دي أمال دي زي بنتي , طب والله لو عندي ولد كبير لكنت جوزتهاله ومكنتش سيبتها أبدا , بس الواد حسين إبني لسه في أولى إعدادي , مهو زميل محمد , حنعملوا أيه بقى ؟.

الأم : ربنا يخلهولك وتفرح بيه .

الحاج سعيد : ويفرحكوا بأمل وأحمد , وتفرحوا بمحمد كمان .

الأم : يااااه ,ههههه محمد كمان .

عم صالح : هههههههه يا عالم مين يعيش لمحمد .

البركة في أبوه بقى يبقى يجوزه .

زينب : أن شاء الله تفرحوا بيه وبعياله .

الأم : تسلمي يا أم صبحي , عقبال عندك .

زينب : تعيشي

فاطمة : في صوت تكتك بره , باين عليهم جم .

( وخرجت فاطمة تجري لمصدر الصوت ) .

الحاج سعيد : طب الحمد لله أنهم وصلوا بالسلامة .

الأم : والله أنا كنت قلقانه عليهم اوي .

( ودخلت فاطمة )

عم صالح : أيه يا فاطمة .

فاطمة : مش هما .. , دا تكتك معدي على أول الشارع .

الأم : مش عارفه هما أتأخروا ليه كده .

الحاج سعيد : هو الدكتور ده دايماً عنده زحمة كده .

زينب : متقلقوش زمانهم جايين .

حقوم بقى عشان عندي كام شغلانة كده قبل ما انام.

الأم : ما بدري.

زينب : بدري من عمرك , الصبح حجيلك عشان نشوفوا حنعملوا أيه في الأكل وأيه الطلبات اللي ناقصة , ربنا يرجعهم بالسلامة ويطمنكوا عليهم , تصبحوا على خير بقى .

الأم : وأنت من أهله .

عم صالح : مع السلامة .

زينب : الله يسلمك يا أبو محمود .

وخرجت زينب وظل عم صالح والحاج سعيد والأم يتبادلون الحوار وكله يدور حول الخطوبة ومستلزماتها وفاطمة تراقبهم دون تعليق .

وبدأ القلق يدب في قلوبهم دونما ان يعلنوا ذلك محاولين إخفاء قلقهم بالدخول في حوار يشغلهم عن التفكير , ومع ذلك فبداخلهم ينمو شبح الخوف من المجهول بصحبة قلق يظهر ويختفى على فترات .

فالأم والأب ينتظرون عودة أبنهم الشاب والذي أصبح العائل الوحيد لهم بعدما طعن والده في السن وترك له عبء ثقيل فيذهب للعمل مبكرا ولا يعود إلا بعد غروب الشمس حتى يوفر لأسرته الحياة الكريمة.

وينتظرون عودة أبنتهم التي لم يبقى على خطبتها سوى عشرة أيام والتي طالما بذلوا الغالي والنفيس في سبيل تعليمها لتصبح الوحيدة في أبنائهم التي تحصل على شهادة وكانت فرحتهم لا توصف عند أتمامها لتعليمها الجامعي وأحسوا بأنهم وأخيراُ رأوا ثمرة سهرهم وتعبهم طوال تلك السنين , وذادت فرحتهم حينما تقدم لخطبتها شاب ملائم وقد اتفقا على ميعاد الخطوبة ولم يتبقى سوى 10 أيام فقط .

وينتظرون حفيدهم الوحيد الذي ملأ البيت بهجة بضحكاته وصرخاته وتعبيراته البريئة ومداعباته منذ قدومه وكلا منهم يريد مداعبته من حين لأخر ولم يعودا يستغنيا عن رؤيته صباحاً ومساءً .

وهناك زوجة تنتظر زوجها وابنها الوحيد في قلق شديد على إبنها المريض تترقب الباب وقد تدفعها حرارة الانتظار إلى تجاوز الباب والوقوف على ناصية الشارع وتخترق ببصرها ظلام الطريق لكنها لا ترى شيئاً فتعود تطمئن نفسها بالإستماع لحديث الأم والأب وصديقه .

إلى أن تجاوزت الساعة العاشرة ونصف فبدأ القلق يتملكهما , وبدا يظهر ذلك واضح في كلامهم وحركاتهم والحاج سعيد يحاول جاهداً أن يطمئنهما من حين لأخر مخفياً ما بداخله من قلق .

ونعود سريعاُ إلى المستشفى .

فقد قام الطبيب بمعرفة شخصية محمود وعنوانه من خلال بطاقته والتي إستخرجها من محفظته بالجيب الخلفي لبنطلونه , كما الحال بالنسبة لأخته (أمال) من بطاقتها التي وجدها في حقيبة اليد الصغيرة الخاصة بها بعدما مسح ما عليها من زيوت وكريمات , وأثبت ذلك في التقارير الطبية الخاصة بهما إلا أن الطفل ظل مجهول الهوية حتى إستطاع السائق أن يتكلم بصعوبة ودلهم على هوية الطفل وعلى بعض المعلومات عن ما حدث لهم .

وعلى الفور قام قسم الشرطة بالإتصال بأحد الخفر بالقرية وأبلغوه بالحادث ولم يكن يملك الشجاعة لإبلاغ أهل الضحايا بما حدث , فأخبر بعضاً من أهل القرية ليساعدوه في ذلك ففضلوا الإنتقال على الفور إلى المستشفى لإستكشاف حقيقة الأمور , ومكنتهم شجاعتهم من الاتصال بأهل السائق لكونه أفضل حال وإبلغوهم بما حدث فهرولوا إلى المستشفى .

وبدأ الخبر يتجول في القرية في هدوء الليل على حذر من الإقتراب من محيط الأسرة . والناس بين مكذب ومصدق بدأت الأقوال تتخبط حول حقيقة الحادث .

ومازالت الأسرة المسكينة لا تعلم عن ذلك شيءً .

ووصل الخفير بصحبة بعض أهل القرية إلى المستشفى وتأكدوا من الحادث الأليم وتعرفوا على الضحايا رأوا أنفسهم مجبرين على أخبار أهل الضحايا في أسرع وقت حتى يتثني لهم الإسراع بدفن الجثث , وأستقروا على أن يقوم بعضهم بإحضار الأب والأم بأي طريق كانت إلى المستشفى لتوديع أبناءهم وإلقاء النظرة الأخيرة على جثثهم , وفضلوا ألا يخبروهم بحقيقة الأمر تلاشياً لما قد يحدث لهم ولا يستطيعوا معه إحضارهم .

وبالفعل ذهب إليهم أثنين من أهل القرية ( عبداللطيف 46 سنة ) عضو الجمعية الزراعية و( رمضان 41سنة ) موظف وبصحبتهم السائق ( سعد 32 سنة ) بعدما عرفوا من المستشفى تفاصيل ذهاب الضحايا إلى المدينة , وهم في حالة إرتباك محاولين الخروج بملامحهم عن الواقع ووصلوا إلى أول الشارع وأنتظر السائق داخل السيارة وذهب عبد اللطيف ورمضان إلى بيت عم صالح .

عبد اللطيف : يا عم صالح .

عم صالح : أتفضل ( وقام طلع بره الباب ) .

عبد اللطيف : محمود أتصل بيا وقالي أبلغك تروحلوا أنت وأم محمود عشان محمد لقوه سخن وحجزوه في المستشفى بيقولك تعالى أنت وام محمود عشان عاوزين حد يبات معاه .

رمضان : وأحنا رايحين إدكو بظروفها ومعانا عربية حنستنوا تيجوا معانا .

عم صالح : ؟؟؟؟؟؟؟؟ في حاجة حصلت ؟

( خرج الحاج سعيد )

الحاج سعيد : في أيه ؟ أيه الحكاية ؟

عم صالح : مش عارف .

فاطمة : خرجت تجري . أحمد حصله حاجة إبني جراله حاجة .

عبد اللطيف : يا ستي متخفيش مفيش حاجة متقلقوش .

الأم : خرجت مرتجفه . أيه يا جابر ؟ في أيه ؟

جابر : مش عارف ... مش عارف .

رمضان : محمد بس سخن شوية وعاوزينكم تباتوا معاه عشان محمود عنده شغل الصبح ومش حينفع يبات وأختوا مينفعش تبات في المستشفى .

الحاج سعيد: يلا يا جابر أنا حروح معاك , خليكي أنت يا أم محمود .

فاطمة : أنا حروح أبات مع أبني .

( وعم صالح واقف مستغرب جدا فليس من عادة محمود أن يتصل بعبد اللطيف حينما يريد أن يخبرهم شيئاً وهو خارج البيت بل إن المعتاد أنه يتصل على التليفون المحمول لجارهم ثم أن محمود لا تربطه بعبد اللطيف أي علاقة ليتصل عليه لإبلاغهم , ثم يعود يطمئن نفسه بأن الظروف قد تكون دفعته لذلك ) .

رمضان : بس محمود مأكد علينا نجيبوا أمه معانا , يلا يا عم جابر العربية واقفة .

عم صالح : يلا يا أم محمود .

( وقد جلست الأم على الأرض ولم تعد ساقاها تقوى على حملها ) .

الأم :يلا فين ... في أيه يا صالح ؟ ( ثم تنظر لعبد اللطيف ) فيه أيه يا اخويا ؟؟

وبالرغم من أن الحيلة التي أبتكرها عبداللطيف ورمضان لم تكن بالحيلة التي يمكن للأب والأم تصديقها بسهوله ولكن لم يكونا يريدا تكذيبها , خوفاً من أن يكون مكروه قد أصاب حفيدهم ) .


يتبع
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
ليلة إنطفاء الشموع
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
أمواج الأندلس أمواج عربية  :: فن الابداع وهمس الخواطر :: أسماعيل الطواب (( أبو منه ))-
انتقل الى: